العهد/ متابعة
سلّطت صحيفة "فايننشال تايمز"، اليوم الجمعة، الضوء على الطموحات الإقليمية والدولية لقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ومساعيه لإعادة صياغة السياسة الخارجية لبلاده عبر استثمار التنافس بين السعودية والصين والولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه باكستان أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متفاقمة تهدد استقرارها الداخلي.
وذكرت الصحيفة، في تقرير ترجمته "العهد"، حمل عنوان "الطموحات الكبرى للرجل القوي في باكستان"، أن المملكة العربية السعودية قدمت طلباً خاصاً إلى إسلام آباد، قبل يوم واحد من توجه منير إلى قمة السلام بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل، إذ حضر وزير المالية السعودي محمد الجدعان إلى مقر رئيس الوزراء الباكستاني مساء العاشر من أبريل، وطلب من قائد الجيش دعم الرياض، وفقاً لشخصين مطلعين على المحادثات.
وأوضحت أن السعودية كانت تتعرض آنذاك لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وأرادت من باكستان، التي وقعت معها اتفاقية دفاع خلال العام الماضي، إرسال قوات وذخائر، إلا أن الاستجابة لهذا الطلب كانت تهدد بتقويض المحادثات الجارية وإثارة ردود فعل غاضبة داخل باكستان، التي تضم ملايين المتعاطفين مع طهران.
وأشارت إلى أن باكستان كانت، في المقابل، بحاجة ماسة إلى الدعم المالي السعودي، بعدما فاجأت الإمارات العربية المتحدة إسلام آباد، قبل أيام من ذلك، بمطالبتها بسداد قروض قيمتها 3.5 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل نحو خُمس احتياطيات البنك المركزي الباكستاني.
وكشفت أن منير أرسل سرباً من الطائرات المقاتلة وأفراداً عسكريين، إلى جانب نظام الدفاع الجوي الصيني "HQ-9"، إلى قاعدة سعودية تواجه السواحل الإيرانية، فيما قدمت الرياض إلى باكستان، خلال الأسبوع التالي، قرضاً بقيمة 3.5 مليار دولار.
وبيّنت أن هذه الحادثة تعكس اعتماد منير المتزايد على داعميه الدوليين، واستفادته من التنافس بين السعودية والصين والولايات المتحدة لإعادة تشكيل سياسة بلاده الخارجية، كما تكشف التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها قائد الجيش في سبيل الحفاظ على قبضته على السلطة من خلال أسلوب حكم سلطوي.
وأفادت بأن منير يسعى، في الوقت نفسه، إلى موازنة نفوذ الهند، الخصم الإقليمي الأكثر ثراءً وقوة لباكستان، عبر تعزيز التحالفات الإقليمية وتوسيع حضور إسلام آباد في منطقة الشرق الأوسط.
وقال العميد المتقاعد في الجيش الباكستاني فيروز خان، الذي خدم في قسم الخطط الاستراتيجية المسؤول عن الترسانة النووية للبلاد، إن باكستان محكومة، بوصفها قوة في جنوب آسيا، بأن تبقى أدنى من الهند التي تتمتع باقتصاد أقوى وأهمية أكبر للولايات المتحدة في المنطقة، لكنها تعتقد أنها تستطيع التأثير في الشرق الأوسط بفضل دعم القيادة المركزية الأميركية والسعودية.
ولفتت الصحيفة إلى أن رد باكستان على الحرب الإيرانية أسهم في تعميق تنسيقها مع السعودية ومصر وتركيا، وهي دول اجتمعت ضمن تحالف رباعي للمساعدة في تحقيق الاستقرار في المنطقة وصياغة نظام أمني لمرحلة ما بعد الحرب.
ورأت أن هذا التكتل قد يشكل، بحسب محللين، قوة موازنة للتعاون العسكري المتنامي بين الإمارات وإسرائيل والهند.
وأكدت أن مشكلات باكستان الاقتصادية والأمنية تتفاقم في الداخل، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت طموحات منير الخارجية محاولة لصرف الأنظار عن أزمات البلاد، ومدى قدرته على تجاوزها في نهاية المطاف.
وأوضحت أن باكستان تعاني ديوناً تبلغ 255 مليار دولار، وتخضع لشروط صندوق النقد الدولي الذي أنقذها من التخلف عن السداد مرتين خلال العام الماضي، فيما ارتفع معدل الفقر إلى 29%، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عقد.
وأضافت أن القوات الباكستانية تخوض، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية، مواجهات ضد الانفصاليين البلوش وحركة طالبان الباكستانية، في ظل تحقيق الجانبين مكاسب على الأرض.
وبيّنت أن ضعف باكستان الاقتصادي والسياسي العميق يدفعها إلى الاعتماد على سلاحها النووي وقواتها العسكرية التقليدية ووزنها الدبلوماسي، بوصفها الأدوات الرئيسية لتحقيق نفوذ يتجاوز حجمها الاقتصادي الحقيقي.
ونبهت إلى أن الدبلوماسية الباكستانية تواجه حدوداً واضحة، رغم نجاح منير، في اليوم التالي لاستقباله وزير المالية السعودي، في إدارة 24 ساعة من المحادثات بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والقادة الإيرانيين.
وأشارت إلى أن تلك المحادثات أرست الأساس لما أصبح لاحقاً "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، وهي اتفاق يتألف من 14 نقطة ويهدف إلى خفض التصعيد.
واستدركت بأن هذا الإنجاز الدبلوماسي لم يستمر طويلاً، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب الهجمات الإيرانية على الملاحة البحرية، انتهاء وقف إطلاق النار خلال الشهر ذاته، واستأنفت الولايات المتحدة ضرباتها داخل إيران.
وأضافت أن طهران ردت بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على دول الخليج مجدداً، كما أغلقت مضيق هرمز الذي تمر عبره معظم واردات باكستان من الوقود الأحفوري.
وأشارت إلى أن تفاقم المشكلات الداخلية دفع منتقدين إلى التساؤل عن مدى أولوية الأجندة الخارجية التي يتبناها منير، مقارنة بالحاجة إلى معالجة الانقسامات الداخلية.
وقال الباحث الباكستاني والسفير السابق لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وليد لودهي إن توسيع صوت باكستان على الساحة الدولية لن يكون ذا فائدة إذا كانت البلاد تفقد نفسها بسبب الانقسامات الداخلية، مؤكداً حاجتها إلى إصلاح تصدعاتها الداخلية.
وذكرت الصحيفة أن منير يطمح إلى تحويل باكستان إلى ما يسميه «الدولة الصلبة»، بعدما منح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، أملاً في إنهاء عقود من الاضطرابات السياسية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وأوضحت أن منير، المولود عام 1968، يُعد أول قائد للجيش الباكستاني يحفظ القرآن الكريم كاملاً، مشيرة إلى أن تكوينه المهني وتدريبه في مدرسة عسكرية أقل شهرة من الأكاديميات ذات التوجه الأنجلوساكسوني التي تخرج فيها أسلافه، جعلاه مختلفاً عن النخبة التقليدية داخل المؤسسة العسكرية.
وبيّنت أن رئيس الوزراء شهباز شريف عيّن منير قائداً للجيش في نوفمبر 2022، في وقت كانت فيه البلاد تستنزف احتياطياتها من النقد الأجنبي وتعاني تداعيات الإطاحة برئيس الوزراء السابق عمران خان.
وأشارت إلى أن حكومة شريف اعتمدت على المؤسسة العسكرية لترسيخ سلطتها، بعد منع المرشحين الموالين لعمران خان، الذين حصلوا على أكبر عدد من المقاعد في انتخابات عام 2024، من دخول البرلمان.
وأضافت أن البرلمان منح منير، في المقابل، صلاحيات غير مسبوقة، شملت تهيئته لتولي منصب يمكن أن يمتد عقداً كاملاً، ومنحه نفوذاً واسعاً على القوات الجوية والبحرية.
ولفتت إلى أن القوانين الجديدة والتدخلات غير الرسمية قيدت استقلال القضاء، وقلصت الانتقادات العلنية الموجهة إلى المؤسسة العسكرية.
وأكدت أن هذه الإجراءات لم تنجح في تهدئة الأقاليم المضطربة، إذ تواجه باكستان صعوبات في تأمين مشروعها الرئيسي الذي يربط ميناء كراتشي بمناجم النحاس الواقعة في الصحاري الحدودية مع إيران وأفغانستان، في ظل نشاط الجماعات المسلحة والعصابات.
وأفادت بأن الغارات والهجمات الانتحارية الأخيرة دفعت شركة «باريك للتعدين» الكندية إلى تأجيل تطوير منجم «ريكو ديك» للنحاس والذهب، الذي تبلغ قيمته تسعة مليارات دولار، فيما اضطرت شركة تعدين صينية مدعومة من الحكومة إلى تعليق عملياتها خلال الشهر الماضي.
وكشفت أن العام الماضي كان الأكثر دموية بالنسبة إلى قوات الأمن الباكستانية منذ أكثر من عشرين عاماً، فيما قُتل منذ يناير أكثر من 1270 مدنياً وعنصراً من قوات الأمن، متجاوزين حصيلة الفترة نفسها من عام 2025.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني الفريق أحمد شريف تشودري إن البلاد تتبع «نهجاً متدرجاً» لمعالجة الوضع الأمني، يشمل إعادة هيكلة قوات الشرطة المحلية، وزيادة الإنفاق الإقليمي على الأمن والتنمية، وإطلاق عمليات عسكرية لتطهير معاقل الجماعات المسلحة.
وأقر تشودري بأن العملية ستستغرق وقتاً، مؤكداً تخصيص أموال للمجتمعات والمشروعات المحلية بهدف كسر ما وصفه بـ«الترابط بين الإرهاب والجريمة».
وأشارت الصحيفة إلى أن إسلام آباد تلقي باللوم في كثير من أعمال العنف على التدخل الهندي، كما تتهم قادة حركة طالبان الأفغانية بتوفير ملاذات آمنة وأسلحة للمسلحين.
ورأت أن منتقدي الحكومة يعزون المشكلة أيضاً إلى تصاعد القمع داخل باكستان، وتقييد استقلال القضاء وحرية الصحافة ومنع الاحتجاجات المدنية.
وقال الأستاذ المشارك في اقتصاديات التنمية بجامعة أكسفورد عادل مالك إن النظام يشجع، من خلال هذه الإجراءات، العناصر الساخطة على حمل السلاح ضد الدولة.
وأوضحت الصحيفة أن التهديدات المحيطة بباكستان منذ استقلالها عام 1947 دفعتها إلى بناء شبكة معقدة من التحالفات والاعتماد المتبادل، بهدف ضمان بقائها وتعزيز نفوذها.
وذكرت أن الولايات المتحدة والصين كانتا أبرز حليفين لباكستان خلال الحرب الباردة، إذ استغل الحاكم العسكري يحيى خان هذه العلاقات في يوليو 1971 لترتيب الزيارة السرية لهنري كيسنجر إلى بكين.
وأضافت أن خسارة باكستان الحرب مع الهند وانفصال بنغلاديش عنها دفعا رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو إلى البحث عن حلفاء في الشرق الأوسط الغني بالنفط، وطرح فكرة تحويل إسلام آباد إلى «القلعة الشرقية للعالم الإسلامي».
وأشارت إلى أن الملك فيصل بن عبد العزيز ومعمر القذافي ساهما في تمويل البرنامج النووي الباكستاني خلال مراحله الأولى، فيما دعمت الصين البرامج النووية والصاروخية الباكستانية، واستثمرت أكثر من 30 مليار دولار في مشروعات الطاقة والبنية التحتية داخل البلاد.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني إن الصين والمملكة العربية السعودية تتمتعان بعلاقة خاصة مع باكستان، مؤكداً أن علاقات إسلام آباد معهما لا تقوم على المقايضة السياسية.
وأوضحت الصحيفة أن بكين لا تزال المورد الرئيسي للأسلحة إلى إسلام آباد، فيما تُعد الرياض أكبر دائن ثنائي لباكستان.
ونفى تشودري وجود صلة بين إرسال القوات والمعدات الباكستانية إلى السعودية في أبريل والقرض السعودي، الذي قال إنه بلغ ثلاثة مليارات دولار، مؤكداً أن العلاقة الخاصة بين البلدين ممتدة منذ عقود، وتستند إلى أساس ديني قوي واحترام متبادل.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تمثل القوة الثالثة الكبرى التي عملت باكستان، في عهد منير، على توثيق العلاقات معها.
وذكرت أن إسلام آباد رشحت الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام في يونيو من العام الماضي، تقديراً لما وصفته بـ«تدخله الدبلوماسي الحاسم» لإنهاء الصراع الذي استمر أربعة أيام بين باكستان والهند.
وأضافت أن ترامب وصف المشير عاصم منير، في أكتوبر، بأنه "المشير المفضل لديه".
وبيّنت أن محاولة منير إعادة صياغة الدور العالمي لباكستان لا تقتصر على استمالة القوى الكبرى، إذ التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقادة المؤسسة العسكرية التركية في أنقرة.
وأفادت بأن باكستان تسعى إلى تعميق علاقاتها مع تركيا والسعودية، في وقت بدأت فيه بعض دول الخليج إعادة النظر في مدى اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية.
ورأت أن التحالف الناشئ قد يتيح الجمع بين القدرات المالية السعودية والقوة العسكرية والخبرة القتالية والصناعات الدفاعية لتركيا وباكستان، اللتين تتعاونان بالفعل في مجال تطوير الطائرات المسيّرة.
وأكد تشودري أن باكستان تمتلك مصلحة واضحة في إحلال السلام داخل العالم الإسلامي، ولا سيما في منطقة الخليج، مشيراً إلى أن دول الخليج أصبحت أكثر ارتياحاً للتعامل معها بوصفها شريكاً أمنياً ووسيطاً نزيهاً.
وكشفت الصحيفة أن إسلام آباد والرياض تبحثان، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في سبتمبر، إنشاء نظام دفاع جوي مشترك لسد الثغرات التي كشفتها الهجمات الإيرانية خلال حرب عام 2019.
وأوضحت أن باكستان تدين، في الوقت الراهن، لدول الخليج بما يعادل 46% من احتياطياتها لدى البنك المركزي، ما يشكل خطراً كبيراً في ظل اعتمادها المالي على تلك الدول.
وأشارت إلى أن الإمارات طالبت باكستان، في أبريل الماضي، بالسداد الفوري لقرض قيمته 3.5 مليار دولار، فيما أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى دفع إسلام آباد نحو صراع لا ترغب في الانخراط فيه.
وأكدت أن مراقبين يرون أن هامش الخيارات المتاحة أمام باكستان محدود للغاية بسبب اعتمادها المالي الكبير على السعودية.
وبيّنت الصحيفة أن باكستان تعتمد على علاقاتها الخارجية أكثر من اعتمادها على قوتها الاقتصادية، التي لا تضاهي حتى قدرات جيرانها من القوى الإقليمية.
ونقلت عن البنك الدولي أن البلاد تنفق أقل من 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على التعليم، فيما لا يستطيع نحو 78% من الأطفال في سن العاشرة قراءة نص بسيط أو فهمه.
وأشارت إلى أن صندوق النقد الدولي أشاد بما وصفه بـ«التنفيذ القوي» لبرنامج القرض البالغ سبعة مليارات دولار، رغم توقعات بأن تلتهم مدفوعات فوائد الدين العام نحو 40% من إيرادات الدولة خلال العام المالي المنتهي في يونيو 2027.
وأضافت أن باكستان طلبت من الولايات المتحدة دعماً مالياً إضافياً لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي، لكنها لم تعالج حتى الآن الأسباب الجذرية لأزماتها المتكررة المتعلقة بميزان المدفوعات.
وأفادت بأن مسؤولين باكستانيين أقروا بإمكان تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية، بل وحتى أزمة وجودية، ما لم تُعالج بصورة جذرية.
ولفتت إلى أن البرلمان وافق، رغم سياسة التقشف المالي، على أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ سنوات، بلغت 18%، من دون تسجيل زيادات مماثلة في الإنفاق الاجتماعي.
وأوضحت أن باكستان لم تحصل إلا على جزء بسيط من الاستثمارات التي تعهدت بها دول الخليج، فيما لم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة خلال العام الماضي 1.6 مليار دولار.
ونقلت عن تقرير للمفوضية الأوروبية أن باكستان لم تحقق تقدماً ملموساً في التزامها بمعايير حقوق الإنسان وسيادة القانون، مشيراً إلى أوجه قصور كبيرة، من بينها حالات الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون.
وخلص عادل مالك إلى أن الجيش الباكستاني حقق انتصاراً مؤقتاً على خصومه السياسيين، لكنه لا يزال يفتقر إلى الشرعية الاقتصادية والأداء المؤسسي اللازمين، مؤكداً أن السيطرة السياسية القائمة على إسكات المعارضة بالقوة قد توفر هدوءاً مؤقتاً، إلا أن الصمت لا يعني الاستقرار.
