إنحدار مصداقية جنرال إلكتريك في العراق.. تاريخ من الخداع وصفقات ابتلعت مليارات الدولارات دون أن تنهي أزمة الكهرباء
26-07-20 21:40:00

العهد / تقارير

منذ توقيع عقد "الميغا ديل" نهاية عام 2008، قدمت شركة جنرال إلكتريك (GE) نفسها باعتبارها المنقذ لقطاع الكهرباء العراقي، وروّجت لتوربيناتها على أنها الأحدث عالمياً، والأسرع في الإنجاز، والأكثر قدرة على العمل في أصعب الظروف.

لكن بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، أظهرت التقارير الحكومية العراقية أن كثيراً من تلك الوعود لم تتحقق، فيما تحولت الصفقة التي تجاوزت كلفتها 7.27 مليارات دولار إلى واحدة من أكثر مشاريع الطاقة إثارة للجدل في تاريخ العراق.

 

الكذبة الأولى.. ستة أشهر تحولت إلى أحد عشر عاماً

أبلغت جنرال إلكتريك الجانب العراقي أن توربيناتها من طراز 9E يمكن تشغيلها خلال ستة أشهر فقط من توقيع العقد، لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً تماماً.

فأولى المحطات احتاجت نحو ست سنوات للدخول إلى الخدمة بصورة جزئية، بينما بقيت بعض المحطات أكثر من 11 عاماً قبل أن تبدأ التشغيل، رغم أن التوربينات كانت قد وصلت إلى العراق منذ سنوات، وبذلك سقط أول وعود الشركة أمام الواقع.

 

الكذبة الثانية.. التوربينات تعمل بـ52 نوعاً من الوقود

روّجت الشركة لتوربيناتها باعتبارها قادرة على العمل بـ52 نوعاً مختلفاً من الوقود، بل والانتقال بين أنواع الوقود أثناء التشغيل.

إلا أن التجربة العراقية أثبتت أن هذه التوربينات صممت أساساً للعمل بالغاز الطبيعي، وأن تشغيلها بالنفط الخام أو الوقود الثقيل يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وتراكم الترسبات داخل غرف الاحتراق، وزيادة الأعطال، وارتفاع كلف الصيانة.

ومع الفشل في استثمار الغاز المحلي، أصبحت محطات GE تعمل بوقود لم تصمم له أصلاً، لتتحول إلى وحدات كثيرة الأعطال وعالية الكلفة.

 

الكذبة الثالثة.. صناعة أمريكية بالكامل

أكدت الشركة أثناء التفاوض أن مكونات التوربينات مصنعة في الولايات المتحدة.

لكن عمليات الفحص كشفت وجود أجزاء مصنعة في الصين وهنغاريا وفرنسا، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى مطابقة المعدات للمواصفات التي تعاقد عليها العراق.

الكذبة الرابعة.. تتحمل أقسى الظروف المناخية

قالت جنرال إلكتريك إن توربيناتها مصممة للعمل بكفاءة في البيئات الصحراوية ذات الحرارة المرتفعة.

غير أن محطات عراقية، بينها محطة الديوانية، سجلت توقفات متكررة بسبب ارتفاع درجات الحرارة داخل التوربينات، رغم تشغيلها بالغاز الطبيعي.

وهو ما اعتبره مختصون دليلاً على أن الأداء الفعلي كان أقل بكثير من المواصفات التي روجت لها الشركة.

 

ضمان انتهى قبل أن تبدأ التوربينات بالعمل

دفعت الحكومة العراقية ملايين الدولارات مقابل ضمان التوربينات، لكن مدة الضمان لم تتجاوز 18 شهراً.

وخلال تلك الفترة لم تكن أغلب التوربينات قد دخلت الخدمة أصلاً بسبب تأخر إنشاء المحطات، لتنتهي مدة الضمان قبل تشغيل المعدات، ويخسر العراق قيمة الضمان بالكامل.

 

ملايين الدولارات مقابل خدمات لم تقدم

بحسب تقارير رقابية عراقية، حصلت الشركة على:

54 مليون دولار مقابل مواد احتياطية لم تكن جزءاً من العقد الأصلي.

169 مليون دولار لقاء مواد يفترض أن تكون مشمولة بالعقد.

29 مليون دولار مقابل خدمات هندسية وإدارية وفحص أداء، تؤكد التقارير أنها لم تنفذ.

كما حصلت الشركات المنفذة للمحطات على أكثر من 530 مليون دولار إضافية لقاء أعمال لم تكن مدرجة ضمن العقود الأصلية.

تشققات في التوربينات

في محطة الخيرات بمحافظة كربلاء، اكتشف مهندسون عراقيون تشققات في 6 توربينات من أصل 10.

واعتبرت التقارير الحكومية أن ذلك مؤشر على خلل في جودة التصنيع، وأوصت بمقاضاة جنرال إلكتريك.

لكن تلك التوصية لم تُنفذ، واستمرت الشركة في تنفيذ مشاريع جديدة داخل العراق.

 

العراق رهينة للصيانة

لم تتوقف كلفة المشروع عند شراء التوربينات، فالمحطات أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على جنرال إلكتريك لتوفير قطع الغيار والصيانة الدورية والخبراء الفنيين، ما أدى إلى استمرار خروج مئات ملايين الدولارات سنوياً من الخزينة العراقية لإدامة تشغيل المحطات.

ويرى مختصون أن هذا النموذج جعل العراق أسيراً لعقود الصيانة طويلة الأمد، بدلاً من بناء منظومة وطنية قادرة على إدارة وتشغيل محطاته بصورة مستقلة.

 

عقد جديد

في تموز/يوليو 2026، وقعت وزارة الكهرباء اتفاقية جديدة مع جنرال إلكتريك في واشنطن، ووصفتها بأنها خارطة طريق جديدة لإنهاء أزمة الكهرباء.

إلا أن هذا التوقيع أعاد إلى الأذهان سجل الشركة في العراق، حيث ما تزال الأسئلة نفسها مطروحة:

كيف تُمنح شركة أخفقت في تنفيذ أكبر مشروع كهربائي في تاريخ البلاد عقداً جديداً؟ ولماذا لم تُحاسب على المخالفات التي وثقتها تقارير رسمية عراقية، رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على بدء المشروع؟

ويبقى الملف مفتوحاً أمام الرأي العام، في انتظار إجابات تتجاوز الوعود، وتقدم حلاً حقيقياً لأزمة الكهرباء التي ما زالت تثقل حياة العراقيين.