الذين تحفظوا، أو اعترضوا، أو عرقلوا وصول جنازة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي من طهران إلى بغداد، كانوا يدركون جيدًا أن القضية ليست قضية مراسم تشييع، وإنما قضية معنى سياسي يخشون حضوره أكثر مما يخشون حضور الجثمان نفسه.
كما أن محاولة حصر مسار التشييع بين النجف وكربلاء، من دون بغداد، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الرغبة في إبقاء الحدث داخل إطاره الديني، ومنع تحوله إلى حدث سياسي عابر للحدود، وهذا، بحد ذاته، انتصار جديد يحققه الإمام الشهيد حتى وهو ميت؛ لأن الخوف لم يعد من الرجل؛ بل من الفكرة التي يحملها، ومن الصورة التي قد يصنعها نعشه وهو يعبر العواصم.
ولعل هذا هو أخطر أبعاد التشييع؛ فالجنازة التي يحملها مئات الملايين على رؤوسهم وأكتافهم، وتعبر بين شعوب متعددة الجنسيات، لا تعود مجرد جنازة؛ بل تتحول إلى ساطور سياسي يهبط على خرائط سايكس–بيكو، ويضرب في عمق الجيوبوليتيك الأمريكي الذي يسعى للتحكم بالمنطقة، وما إن يصبح جثمان رجل ميت قادرًا على إرباك الحسابات السياسية، فإن ذلك يكشف مقدار هشاشة تلك الخرائط، وضعف تلك المعادلات، مهما بدت راسخة.
ولهذا تبدو جنازة السيد علي الخامنئي منعطفًا تاريخيًا في الشرق الأوسط، تمامًا كما تحولت مراسم تشييعه في طهران إلى حدث عالمي استثنائي استقطب وفودًا وشخصيات من دول عديدة، من شرق آسيا إلى غرب أمريكا اللاتينية.
ومن هنا تتجلى عظمة السيد علي الخامنئي، باعتباره، فريد عصره؛ الإمام، والعارف، والعرفاني، والفيلسوف، والشاعر، والثائر، الذي وقف موقف الحسين في هذا الزمان، فصار حضوره بعد الرحيل امتدادًا لحضوره في الحياة.
إن بغداد ليست مجرد محطة إضافية على طريق التشييع؛ بل هي العقدة السياسية التي يكتمل بها المعنى، فبغداد ليست مدينة عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، وإنما عاصمة صُنعت فيها التحولات الكبرى، وتكسرت عند أسوارها مشاريع الإمبراطوريات.
إننا نطالب بأن تكون بغداد ضمن مسار هذا التشييع التاريخي، لأن مرور النعش في بغداد ليس مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل رسالة سياسية تقول إن العواصم الكبرى لا تُقاس بما فيها من مبانٍ، وإنما بما تحمله من رموز، وأن بعض الجنائز تستطيع أن تهز خرائط، وتعبر حدودًا، وتكتب فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة.
