العهد/ ترجمة روسي
يرى الكاتب دانييل سيتشكين، في تقرير نشرته وكالة "إزفستيا" الروسية، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة بعد استشهاد الإمام علي الخامنئي، مستندة إلى مشهد واسع من التلاحم الشعبي والسياسي يعكس قدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها رغم الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
ويوضح الكاتب في تقريره الذي ترجمته "العهد"، أن إيران مراسم وداع الإمام علي الخامنئي، الذي استشهد خلال الحرب مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، حيث تستعد البلاد لتنظيم مراسم عزاء واسعة تمتد عدة أيام وتشهد مشاركة ملايين المواطنين من مختلف المحافظات.
ويشير الكاتب إلى أن العاصمة طهران اكتست بالكامل بمظاهر الحداد، إذ امتلأت شوارعها باللافتات السوداء وصور الإمام علي الخامنئي، بينما علّقت الرايات على المباني الحكومية والميادين والسيارات والحدائق العامة، في مشهد يعكس حجم المشاركة الشعبية في مراسم التشييع.
كما رُفعت فوق الطرق الرئيسية شرائط سوداء كُتبت عليها العبارة الشيعية: “كل شيء مقدّر من الله”، وإلى جانبها صور كبيرة للإمام علي الخامنئي ضمن تصاميم خاصة بمراسم العزاء.
ويلفت الكاتب إلى أن الإمام علي الخامنئي استشهد في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، إلا أن مراسم التشييع الرسمية انطلقت في الثالث من تموز/يوليو في طهران بحضور وفود رسمية من عشرات الدول.
وشاركت روسيا في المراسم بوفد ترأسه نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، فيما مثل الصين نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني خه وي، وشارك رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ممثلاً لبلاده، إلى جانب وفود من العراق ولبنان واليمن والهند وجورجيا وكوبا وأكثر من ثلاثين دولة أخرى.
ويشرح الكاتب أن الباحث في شؤون الشرق الأوسط فرهاد إبراهيموف يرى أن تنظيم مراسم تشييع تمتد عدة أيام لا يرتبط فقط بالرغبة في إظهار صلابة النظام السياسي، وإنما يعكس أيضاً التقاليد الدينية الشيعية وحجم المشاركة الشعبية المتوقعة.
وبدأت مراسم الوداع الشعبي في “مصلى الإمام الخميني” بطهران يوم الرابع من تموز/يوليو، وتستمر حتى الخامس من الشهر نفسه، قبل تنظيم المسيرة الجنائزية الكبرى في السادس من تموز/يوليو، ثم انتقال مراسم العزاء إلى مدينة قم، على أن يُدفن الإمام علي الخامنئي في التاسع من تموز/يوليو بمدينة مشهد المقدسة قرب مرقد الإمام علي بن موسى الرضا.
ويؤكد الكاتب أن اختيار هذا المكان يحمل دلالة دينية عميقة، إذ يُعد الإمام الرضا الإمام الثامن لدى الشيعة، والوحيد من بين الأئمة الاثني عشر المدفون داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يرسخ، بحسب الكاتب، البعد الديني والرمزي لمكانة الإمام علي الخامنئي.
ويشير الكاتب إلى أن السلطات الإيرانية تتوقع مشاركة ما يصل إلى عشرة ملايين شخص في مراسم التشييع، الأمر الذي دفعها إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في العاصمة مع توافد الزائرين من مختلف أنحاء البلاد.
وانتشرت وحدات من الحرس الثوري الإيراني في الساحات الرئيسية والتقاطعات المهمة، فيما خضعت بعض المركبات للتفتيش، وشوهد الجنود يؤدون مهامهم الأمنية وسط درجات حرارة قاربت الأربعين مئوية.
ويلاحظ الكاتب أن آثار العدوان الأمريكي والصهيوني لا تزال واضحة في أنحاء طهران، حيث تعرضت أحياء حكومية ومنشآت مدنية ومبانٍ سكنية لأضرار كبيرة خلال موجات القصف التي استهدفت العاصمة.
ويتابع الكاتب أن الضربات لم تقتصر على المنشآت الحكومية والعسكرية، بل امتدت أيضاً إلى مواقع تاريخية وثقافية، من بينها قصر كلستان التاريخي، المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
ورغم أن القصف استهدف مبنى مجاوراً للقصر، فإن موجة الانفجار ألحقت أضراراً بعدد من أجزائه، ولا سيما القاعة الرخامية التي تعرض زجاج سقفها للكسر، بينما جرى تغطية النوافذ المتضررة بأقمشة مؤقتة.
ويذكر الكاتب أن السلطات الإيرانية اصطحبت الصحفيين الأجانب إلى الموقع للاطلاع على حجم الأضرار، حيث أوضح أحد العاملين في القصر، فتح الله، أن إدارة المتحف تمكنت مسبقاً من نقل جزء من المقتنيات، إلا أن بعض المعروضات التاريخية تعرضت للتلف، مؤكداً أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العدوان كبيرة وتتطلب إمكانات واسعة لإعادة الترميم.
وفي محيط القصر، التقى الكاتب بناشطين لبنانيين قدموا للمشاركة في مراسم العزاء، وكانت من بينهم مريم التي حملت صورة شقيقها حسن العسكري طهماز، أحد مقاتلي حزب الله الذي استشهد في جنوب لبنان في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2024، مؤكدة أن شقيقها كان رمزاً للشجاعة وأنها أرادت من خلال صورته إيصال رسالة صمود إلى العالم.
ويواصل الكاتب وصف جولته بزيارة جامعة الشهيد بهشتي شمالي طهران، والتي تعرضت خلال الحرب لقصف أدى إلى تدمير أحد مبانيها البحثية ومختبراتها العلمية. ويشير الكاتب إلى أن بعض وسائل الإعلام الغربية وصفت الأضرار بأنها محدودة، إلا أن ما شاهده على أرض الواقع أظهر دماراً كاملاً لأحد المختبرات العلمية.
كما يوضح الكاتب أن وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف أعلن سابقاً أن أكثر من ثلاثين جامعة إيرانية تعرضت للقصف منذ اندلاع الحرب، وأسفرت الهجمات عن استشهاد خمسة أساتذة جامعيين، بينهم علماء بارزون في مجال الطاقة النووية.
ويختم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن طهران تعيش اليوم بين مشهدين متوازيين؛ فمن جهة تنتشر صور الإمام علي الخامنئي وشعارات “سننهض من جديد” في مختلف أنحاء العاصمة، ومن جهة أخرى لا تزال آثار الدمار شاهدة على حجم العدوان. ويرى الكاتب أن الرسالة الأساسية التي تسعى الجمهورية الإسلامية إلى إيصالها عبر هذه المراسم تتمثل في تأكيد استمرار الدولة ومؤسساتها، وإظهار أن الضربات الأمريكية والصهيونية، على الرغم من قسوتها، لم تتمكن من كسر إرادة إيران أو زعزعة تماسكها الداخلي.
