العهد/ ترجمة روسي
نشرت وكالة "ريغنوم" الروسية تقريراً ترجمته "العهد"، يتناول فيه الكاتب الروسي دميتري تفيردي، التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها القارة الأوروبية، معتبراً أن الأزمات الأمنية والهجرة غير المنضبطة والانقسام المجتمعي باتت تكشف عن تصدعات عميقة داخل النموذج الليبرالي الغربي.
ويرى الكاتب أن الحكومات الأوروبية أصبحت تواجه تحديات متراكمة تتجاوز قدرة المعالجات التقليدية، في وقت تتراجع فيه ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، بينما تتزايد حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ويشير إلى أن الخطاب الغربي القائم على تصدير قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان يصطدم اليوم باختبارات داخلية صعبة، تكشف وجود فجوة متزايدة بين المبادئ المعلنة والواقع العملي.
يوضح الكاتب أن أوروبا لم تعد تمثل الصورة التي طالما قدمتها عن نفسها بوصفها نموذجاً للاستقرار وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، بل أصبحت المشكلات الداخلية هي العنوان الأبرز للمشهد الأوروبي، بدءاً من اكتظاظ السجون، مروراً بتعثر عمل أجهزة العدالة، وصولاً إلى أعمال الشغب وتصاعد الأزمات الاجتماعية والأخلاقية، وهي مؤشرات يعتبرها الكاتب دليلاً على أزمة عميقة في إدارة الدولة وفي المنظومة الفكرية التي تحكم المجتمعات الغربية.
ويشير إلى أن بريطانيا تستعد لاتخاذ قرار يثير جدلاً واسعاً يقضي بالإفراج عن نحو ستة آلاف مدان بجرائم خطيرة، بينهم قتلة ومغتصبون، بحلول شهر أيلول/سبتمبر، بسبب وصول السجون إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.
ويبين الكاتب أن الاكتظاظ لا يرتبط بالمهاجرين وحدهم، بل يشمل أيضاً مواطنين بريطانيين أُوقفوا بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مشاركتهم في احتجاجات ضد سياسات الهجرة، وهو ما يرى أنه يعكس اتجاهاً متزايداً نحو استخدام المنظومة القانونية كأداة لضبط الرأي العام.
وينقل الكاتب عن عالم الجريمة البريطاني ديفيد ويلسون قوله إن الإفراج عن آلاف مرتكبي الجرائم العنيفة لا يمثل إصلاحاً لمنظومة العدالة، بل يعد اعترافاً صريحاً بانهيارها، لأن المشكلة لا تُحل، وإنما يجري نقلها من السجون إلى الشوارع.
كما يلفت الكاتب إلى أن وزيرة الداخلية البريطانية شابانا محمود، تدفع باتجاه فتح مسارات جديدة توصف بأنها “آمنة وقانونية” لاستقبال اللاجئين، بحيث تتولى الجامعات وأرباب العمل والكنائس ومنظمات المجتمع المدني اختيار اللاجئين ورعايتهم قبل وصولهم إلى بريطانيا، وهي مبادرة يرى الكاتب أنها تواجه تشكيكاً واسعاً في ظل الضغوط التي تعاني منها مؤسسات الدولة أصلاً.
ويشير الكاتب إلى حادثة وقعت في مدينة فروتسواف البولندية أواخر عام 2025، حيث تعرض أحد الأشخاص لاعتداء عنيف أدى إلى إصابته بإعاقة دائمة، إلا أن الشرطة لم تنشر صورة المشتبه به إلا بعد مرور ستة أشهر، وهو رجل أسود البشرة. ويرى الكاتب أن هذا التأخير لم يُفسر على أنه مجرد بطء إداري، بل اعتبره كثيرون دليلاً على تردد المؤسسات الرسمية أو خشيتها من ردود الفعل، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين بأجهزة الدولة.
وينقل الكاتب عن المحلل السياسي ماريك ماغيروفسكي تأكيده أن بطء التحقيقات ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع بالدولة، لأن المواطنين يريدون رؤية مؤسسات تحميهم، لا مؤسسات تؤجل إجراءاتها حتى يفوت الأوان.
ويتابع الكاتب أن المشهد الإجرامي في إيطاليا يشهد تغيراً ملحوظاً، إذ بدأت العصابات الأفغانية والباكستانية تزاحم تنظيمات المافيا التقليدية، التي كانت، رغم عنفها، تعمل وفق قواعد ونطاقات نفوذ معروفة، بينما تعتمد العصابات الجديدة، بحسب الكاتب، أساليب أكثر عنفاً وفوضوية.
ويشير الكاتب إلى أن الصحفي الإيطالي روبرتو سافيانو يرى أن المافيا التقليدية كانت، إلى حد ما، قابلة للاحتواء، في حين تعتمد العصابات الجديدة على الترهيب المطلق والتوسع دون الالتزام بأي قواعد، الأمر الذي غيّر طبيعة التهديد الأمني في البلاد.
ويرى الكاتب أن فرنسا شهدت بدورها موجة جديدة من الجدل بعد انتشار مقطع مصور يُظهر مجموعة من المهاجرين وهم يعتدون حتى الموت على مراهق، وهي حادثة عمقت الانقسام داخل المجتمع الفرنسي بين المطالبين بإجراءات أمنية صارمة والداعين إلى عدم تعميم المسؤولية على جميع المهاجرين.
وينقل الكاتب عن السياسي الفرنسي إريك زمور قوله إن استمرار حوادث القتل في الشوارع وخوف المواطنين من الخروج ليلاً يدل، برأيه، على فشل سياسة الهجرة الحالية.
كما يشير الكاتب إلى أن رئيس فنلندا ألكسندر ستوب أدلى بتصريحات وصفها الكاتب بأنها اعتراف صريح بوجود أزمة، بعدما أكد أن بلاده تعد من أكثر دول الاتحاد الأوروبي خطورة على النساء، ودعا الرجال إلى تحمل مسؤولياتهم في مكافحة العنف ضد المرأة.
ويلفت الكاتب إلى أن المبادرة التي أطلقتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فنلندا تشير إلى أن 57% من النساء الفنلنديات تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو التهديد أو الاعتداء الجنسي، وفق إحصاءات الاتحاد الأوروبي.
ويلفت الكاتب إلى أن هولندا تشهد بصورة متكررة أعمال شغب ليلية بعد المباريات الرياضية، تتخللها عمليات تخريب واشتباكات مع الشرطة، وهو ما يعكس، بحسب الكاتب، تراكم حالة من الاحتقان الاجتماعي. وينقل الكاتب عن عالم الاجتماع الهولندي يان دي فريس قوله إن كرة القدم ليست سوى شرارة تشعل غضباً متراكماً سببه الشعور بالتهميش وعدم الاستماع إلى مطالب فئات واسعة من المجتمع.
ويشير الكاتب إلى أن ألمانيا شهدت خلال الأيام الأخيرة حادثتين أثارتا نقاشاً واسعاً حول الهجرة، الأولى تمثلت في اعتداء مجموعة من أصول شمال أفريقية على عدد من المارة في حي موابيت بالعاصمة برلين، بينما اندلع الجدل الثاني في مدينة هامبورغ بعد إقامة مجموعة من الطلاب المسلمين صلاة جماعية داخل ساحة إحدى المدارس، الأمر الذي أثار اعتراضات عدد من أولياء الأمور.
ويلاحظ الكاتب أن أخطر ما تشهده أوروبا اليوم ليس فقط تصاعد الحوادث الأمنية، بل الانقسام الحاد في طريقة تعامل المجتمع معها، حيث ينظر فريق إلى المهاجرين باعتبارهم مصدر تهديد، بينما يراهم فريق آخر ضحايا لظروف إنسانية، الأمر الذي يجعل كل حادثة تتحول إلى مواجهة سياسية وإعلامية بدلاً من أن تكون فرصة للبحث عن حلول عملية.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن أوروبا أصبحت أمام خيار استراتيجي لا يمكن تأجيله، فإما الاعتراف بفشل كثير من السياسات القديمة، وإجراء مراجعات شاملة في ملفات الهجرة والأمن والقضاء، أو الاستمرار في الاكتفاء بالحلول المؤقتة، وهو ما قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى تفاقم الأزمات مستقبلاً، في ظل استمرار تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية واتساع فجوة الانقسام داخل المجتمعات الأوروبية.
