هرمز يبقى بيد طهران.. كيف أفشلت إيران محاولة انتزاع أهم أوراقها الاستراتيجية؟
26-06-29 15:56:00

العهد/ ترجمة روسي

تكشف التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، وفق رؤية الكاتب ليونيد تسوكانوف لوكالة "ريغنوم" الروسية، عن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكتفِ بتجاوز تداعيات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بل نجحت أيضاً في تثبيت أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية في الخليج.

ويرى الكاتب، في مقاله الذي ترجمته "العهد"، أن طهران تعاملت مع محاولات إنشاء ممر بحري بديل بوصفها مساساً مباشراً بنفوذها الإقليمي، ففرضت معادلة ردع أجبرت خصومها على العودة إلى قواعد التفاهم السابقة. ويشير الكاتب إلى أن واشنطن والكيان الصهيوني أخفقا في تغيير ميزان السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، فيما استطاعت الجمهورية الإسلامية، عبر الجمع بين الضغط الميداني والتمسك بالأطر الدبلوماسية، الحفاظ على إحدى أهم أوراق التأثير في الصراع الدائر في الخليج.

يرى الكاتب أن حالة الهدوء النسبي التي شهدها مضيق هرمز بعد التفاهم الأمريكي-الإيراني لم تدم طويلاً، بعدما اقترب الاتفاق من الانهيار نتيجة محاولة سلطنة عُمان، بدعم أمريكي، إنشاء ما وصفته بـ”الممر البحري الرسمي البديل” لعبور السفن التجارية، في خطوة اعتبرتها طهران تجاوزاً لدورها المركزي في إدارة الملاحة داخل المضيق.

ويوضح الكاتب أن سلطنة عُمان سعت إلى إضفاء الشرعية على المشروع من خلال الحصول على دعم المنظمة البحرية الدولية، مقدمة المبادرة باعتبارها مشروعاً إنسانياً يهدف إلى تسهيل حركة السفن وإجلاء البحارة العالقين في الخليج، إلا أن إيران سارعت إلى توجيه رسالة واضحة بأنها لن تسمح بتجاوز مصالحها أو الالتفاف على دورها، الأمر الذي أعقبه تنفيذ الولايات المتحدة ضربات وصفتها بأنها “رمزية” ضد الأراضي الإيرانية.

ويلفت الكاتب إلى أن الإعلان عن افتتاح “الممر البحري الأخضر” عبر المياه الإقليمية العُمانية صدر مساء الرابع والعشرين من حزيران، حيث أعلنت وزارة الخارجية العُمانية أن السلطنة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، أتاحت استخدام ممر بحري مؤقت أمام جميع السفن.

ويشرح الكاتب أن الميزة الأساسية التي حاولت عُمان تسويقها تمثلت في إعفاء السفن المدنية من أي رسوم عبور، بخلاف الممر الإيراني في مضيق هرمز، إذ لم يكن مطلوباً من شركات النقل سوى إبلاغ مسقط بخطط العبور والالتزام بتعليمات السلطات الساحلية، الأمر الذي دفع العديد من شركات الملاحة وربابنة السفن إلى تفضيل هذا المسار خشية التعرض للعقوبات الأمريكية في حال دفع رسوم عبور لإيران.

ويتابع الكاتب أن السلطات العُمانية رأت في المبادرة فرصة لتخفيف الضغط عن موانئ الدول الخليجية وإعادة البحارة الأجانب الذين علقوا في الخليج منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، كما جرى الترويج للممر باعتباره يحظى بموافقة جميع الأطراف، بما فيها واشنطن وطهران، وهو ما شجع السفن الأولى على استخدامه دون تردد.

غير أن الكاتب يلاحظ أن هذا الممر لم يصمد سوى ساعات قليلة، إذ تعرضت صباح الخامس والعشرين من حزيران سفينة الحاويات التايوانية “إيفر لوفلي”، التي كانت ترفع علم سنغافورة وتعبر المياه العُمانية، لإصابة بمقذوف مجهول أدى إلى تضرر غرفة المحركات وتوقفها على بعد نحو سبعة أميال ونصف من ميناء داهيت العُماني، قبل إجلاء طاقمها بصورة عاجلة.

ويشير الكاتب إلى أن إيران لم تعلن مسؤوليتها عن الحادث، إلا أن المسؤولين الإيرانيين أوصلوا رسالة واضحة بأن ما جرى لم يكن مجرد صدفة، مستشهداً بتصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي أكد، استناداً إلى موقف الحرس الثوري الإيراني، أن أي مسارات لوجستية تُنشأ من دون مشاركة إيران أو مراعاة مصالحها لا يمكن اعتبارها آمنة، وأن طهران ستتصدى بحزم لأي محاولة للالتفاف على دورها.

ويرى الكاتب أن الرد الإيراني لا يخرج عن منطق السياسة التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية طوال فترة التصعيد، حيث سبق أن نفذت القوات الإيرانية والقوى الحليفة لها ضربات محدودة ضد السفن التي اعتبرت أنها خرقت قواعد الملاحة المفروضة خلال الأزمة.

إلا أن الكاتب يؤكد أن دوافع إيران هذه المرة تختلف، إذ لم يكن اعتراضها على وجود مسار بديل بحد ذاته، وإنما على محاولة تصويره باعتباره الطريق الآمن الوحيد، بما يؤدي إلى تحويل حركة الملاحة بعيداً عن المسارات التي تشرف عليها إيران وتقويض دور “إدارة الخليج الفارسي” التي أنشأتها طهران لتنظيم عبور السفن عبر المضيق.

كما يلفت الكاتب إلى أن طهران اعتبرت أن تقديم المشروع العُماني على أنه مبادرة إنسانية يهدف في جوهره إلى إظهار الجمهورية الإسلامية بمظهر الطرف المعرقل أو المعتدي أمام المجتمع الدولي، وهو ما رفضته القيادة الإيرانية بصورة قاطعة.

ويتابع الكاتب أن تعليق المنظمة البحرية الدولية عمليات إجلاء البحارة عقب حادثة السفينة “إيفر لوفلي” أدى إلى تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إيران، إلا أن طهران تمسكت بموقفها القائم على رفض أي ترتيبات بحرية تُفرض دون التشاور معها.

ويشرح الكاتب أن للممر البحري الذي أعلنت عنه عُمان خلفية مختلفة، إذ سبق أن استخدمته البحرية الأمريكية، بالتعاون مع خفر السواحل العُماني، لمرافقة ناقلات النفط وسفن الشحن بصورة غير معلنة، حتى في ذروة التوترات، بينما امتنعت إيران آنذاك عن استهداف تلك السفن تقديراً للدور الدبلوماسي الذي لعبته السلطنة في مراحل سابقة.

ويرى الكاتب أن الحادث الأخير حمل رسالة مباشرة مفادها أن الجمهورية الإسلامية ترصد بدقة جميع محاولات خصومها إنشاء بدائل لوجستية تقلص نفوذها، وأنها مستعدة لمنع هذه المحاولات إذا رأت أنها تمس مصالحها الاستراتيجية.

ويشير الكاتب إلى أن إيران، رغم موقفها الحازم، تجنبت الذهاب نحو تصعيد مفتوح، فلم تعلن مسؤولية الحرس الثوري الإيراني أو الفصائل الحليفة عن استهداف السفينة، مفضلة الاستناد إلى أدوات دبلوماسية، أبرزها المادة الخامسة من المذكرة الأمريكية-الإيرانية، التي تنص على ضرورة التشاور مع طهران بشأن أي تغييرات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز.

وينتقل الكاتب إلى رد الفعل الأمريكي، موضحاً أن الرئيس دونالد ترامب انتقد إيران ووصف استهداف سفينة الحاويات التايوانية بأنه عمل غير مبرر، لكنه لم يدلِ بتصريحاته إلا بعد مرور يومين على الحادث، بعدما حاولت واشنطن في البداية تصوير الواقعة على أنها حادث عرضي لتجنب اتساع دائرة التوتر.

كما يشير الكاتب إلى أن وسائل الإعلام الأمريكية تحدثت عن وجود قناة اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران بشأن الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن المسؤولين الإيرانيين سارعوا إلى نفي هذه الرواية.

ويلفت الكاتب إلى أن هذا النفي زاد من غضب الإدارة الأمريكية، إذ أعلن القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ سلسلة من “ضربات الرد” استهدفت، بحسب الرواية الأمريكية، مستودعات للصواريخ والطائرات المسيّرة وعدداً من مواقع الرادار على الساحل الجنوبي الإيراني، فيما ردت إيران بضربات تحذيرية استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة.

ويشرح الكاتب أن هذه العمليات حملت طابعاً رمزياً أكثر من كونها تصعيداً واسعاً، إذ عادت القوات الأمريكية سريعاً إلى قواعدها، بينما أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار التزامها بالمذكرة الأمريكية-الإيرانية، وهو الموقف ذاته الذي أعلنته طهران.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أن الطرفين عادا عملياً إلى آلية الملاحة نفسها التي كانت قائمة قبل الرابع والعشرين من حزيران، بعد تراجع مشروع الممر العُماني إلى الهامش، معتبراً أن النتيجة النهائية تصب في مصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تمكنت، رغم الضغوط الأمريكية ومحاولات تجاوزها، من الحفاظ على إحدى أهم أدوات نفوذها الاستراتيجية في الصراع الدائر بمنطقة الخليج.