العهد/ ترجمة روسي
يرى الكاتب الأمريكي ويليام ليند، في مقال نشرته مجلة منصة إينو سمّي (InoSMI) الروسية، أن المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية كشفت مجددًا حدود القوة العسكرية الأمريكية، وأعادت إنتاج الإخفاقات التي رافقت الحروب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق.
ويشير الكاتب في كمقاله الذي ترجمته "العهد"، إلى أن واشنطن، رغم تفوقها التكنولوجي والمالي الهائل، ما تزال عاجزة عن تحقيق انتصار استراتيجي عندما تواجه خصمًا يمتلك الإرادة والقدرة على الصمود والتخطيط بعيد المدى.
يرى الكاتب أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تعيش على ما يصفه بـ”الأوهام الذاتية”، إذ يكرر العسكريون والسياسيون الأمريكيون باستمرار أنهم يمتلكون أعظم جيش في التاريخ وأنه لا توجد قوة قادرة على هزيمتهم، مشيرًا إلى أن هذه القناعة لا تقتصر على الجنرالات، بل تشمل كبار المسؤولين في واشنطن، بمن فيهم الرئيس ووزير الدفاع. ويلفت إلى أن نتائج هذه الثقة المفرطة أصبحت واضحة اليوم في منطقة الخليج.
ويشرح الكاتب أن الوقائع التاريخية ترسم صورة مختلفة تمامًا. فبعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، كانت الغلبة في أوروبا – بحسب رأيه – تعود بصورة أساسية إلى الجيش الأحمر السوفيتي، الذي تحمل العبء الأكبر من الحرب. وبعد ذلك، دخلت الولايات المتحدة سلسلة من الحروب انتهت إما بالتعادل أو بالهزيمة، بدءًا من كوريا، ثم فيتنام، مرورًا بأفغانستان والصومال والعراق، وصولًا إلى المواجهة الحالية مع إيران، التي يعتبرها الكاتب صراعًا دخل مرحلة الجمود الاستراتيجي.
ويشير إلى أن إيران تعيش اليوم تحت حصار، لكنه يطرح سؤالًا يعتبره أكثر أهمية: من الذي سينهار أولًا، الطرف المحاصَر أم الطرف الذي يفرض الحصار؟ ويؤكد أن المقصود في هذه الحالة هو النفط ومصادر الطاقة، معتبرًا أن هذا السؤال سيحدد مستقبل الصراع.
ويحدد الكاتب ستة أسباب رئيسية لهذا الفشل المستمر.
أول هذه الأسباب، بحسب الكاتب، هو تركيز الجيش الأمريكي على المستوى التكتيكي في إدارة الحروب، وإهماله للمستوى الاستراتيجي. ويوضح أن الانتصارات التكتيكية لا قيمة لها إذا كانت تؤدي في النهاية إلى خسارة الحرب سياسيًا واستراتيجيًا. ويستشهد بالمفكر العسكري الأمريكي العقيد جون بويد، الذي قال إن امتلاك التفوق في البر والبحر والجو لم يمنع الولايات المتحدة من الهزيمة في فيتنام، لأن النجاح الحقيقي يعتمد على فن إدارة الاستراتيجية وليس على مجرد تدمير الأهداف.
أما السبب الثاني، فيراه الكاتب في اعتماد الولايات المتحدة على ما يسميه “الأسلوب الفرنسي” في الحرب، والقائم على الاستخدام المكثف للقوة النارية والقصف الجوي. ويشير إلى أن واشنطن ما تزال تبالغ في تقدير قدرة سلاح الجو على حسم الحروب، رغم أن التجارب التاريخية أثبتت العكس. ويستذكر الكاتب حديثًا سابقًا لرئيس أركان القوات الجوية الأمريكية الجنرال ميريل ماكبيك، الذي أقر بأن التاريخ يثبت أن التوقعات المبالغ فيها من القوة الجوية لم تتحقق. كما يلفت إلى أن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون قال خلال حرب فيتنام لجنرالاته إن كل ما يعرفونه هو القصف، لكنه لم يحقق النصر آنذاك، كما أنه لم يحقق النتيجة المطلوبة في المواجهة مع إيران.
ويعتبر الكاتب أن السبب الثالث يتمثل في الإيمان المفرط بالتفوق التكنولوجي. ويشير إلى أن التكنولوجيا الحديثة نادرًا ما تحسم الحروب، مستشهدًا بكتاب “تحول الحرب” للمؤرخ العسكري مارتن فان كريفيلد، الذي يؤكد أن الأسلحة البسيطة والرخيصة والقابلة للإنتاج بأعداد كبيرة غالبًا ما تكون أكثر فاعلية من الأنظمة العسكرية فائقة التعقيد مثل المقاتلة إف-35. ويوضح الكاتب أن الخصوم يستطيعون بسهولة إيجاد وسائل بسيطة لإبطال مفعول التكنولوجيا المتقدمة، مستشهدًا بأمثلة من حرب فيتنام، وكذلك بمناورات عسكرية أمريكية أظهرت إمكانية تعطيل الأنظمة الروبوتية بوسائل بدائية للغاية.
ويتابع الكاتب أن السبب الرابع يكمن في ضعف التخطيط العسكري داخل المؤسسة الأمريكية. ويرى أن المدارس والكليات العسكرية الأمريكية تركز على اتباع الإجراءات الإدارية أكثر من تعليم التفكير الاستراتيجي الحقيقي. ويشير إلى أن المخططين الأمريكيين لم يتوقعوا احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز، معتبرًا أن هذا الإخفاق يعكس غياب التفكير الاستراتيجي. كما يستعرض تجربة قديمة خلال مناورة عسكرية في معسكر كامب بندلتون، وصف خلالها إحدى الخطط العسكرية الأمريكية بأنها من أسوأ الخطط التي شاهدها، لأنها ركزت على اتباع التعليمات بدلًا من تحقيق الأهداف العسكرية الفعلية.
ويشير الكاتب إلى أن السبب الخامس يتمثل في التضخم البيروقراطي داخل الجيش الأمريكي، حيث أصبحت تشكيلاته الإدارية ضخمة إلى درجة تعرقل سرعة اتخاذ القرار والاستجابة للتطورات الميدانية. ويقارن ذلك بالفرق المدرعة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، التي كانت تعمل بعدد محدود من الضباط. ويزعم الكاتب أنه لو كانت الولايات المتحدة قد تحركت في وقت مبكر لاستهداف القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية خلال ذروة الاضطرابات الداخلية، لكانت قد حققت نتائج أفضل، لكنه يقر بأن تلك الفرصة ضاعت مع مرور الوقت.
أما السبب السادس، والأكثر أهمية في نظر الكاتب، فهو اقتناع القيادات الأمريكية بأنها لا تخطئ وأنها تمتلك أفضل جيش في العالم. ويرى أن هذه العقلية دفعت واشنطن إلى الاعتقاد بأنها ستنهي الحرب بسرعة، لكنها وجدت نفسها عالقة في صراع لا تستطيع إنهاءه. كما يوضح أن المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية ترفض إجراء إصلاحات حقيقية رغم الدروس المتراكمة منذ حرب فيتنام.
ويشرح الكاتب أنه كان من أبرز الداعين إلى إصلاح المؤسسة العسكرية الأمريكية بعد الهزيمة في فيتنام، حيث دعا مع آخرين إلى تبني العقيدة الألمانية القائمة على المناورة بدلًا من حرب الاستنزاف، وإصلاح نظام الترقيات العسكرية، وإبعاد الضباط غير الأكفاء، والاعتماد على أسلحة أبسط وأقل تكلفة. إلا أنه يلاحظ أن جماعات المصالح المرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري أنفقت أموالًا ضخمة للحفاظ على الوضع القائم، وانتهى الأمر بانتصارها داخل واشنطن على حساب الإصلاح الحقيقي.
ويختم الكاتب مقاله برسالة يوجهها إلى المسؤولين المدنيين في وزارة الدفاع والبيت الأبيض والكونغرس، مستشهدًا بقصة قديمة عن مجلس إدارة شركة تأمين كانت تتلقى تقارير متفائلة رغم تراجع الأرباح، قبل أن يقاطعهم أحد الأعضاء قائلاً إن أغلى سلعة تمتلكها الشركة هي “الهراء”، وإنهم يبيعونه للعملاء والمساهمين والجهات الرقابية، داعيًا إلى التوقف عن تصديق هذا الوهم داخل المؤسسة نفسها، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة، برأي الكاتب، أصبحت أسيرة خطاب يمجد القوة الأمريكية بينما تكشف الوقائع الميدانية عن إخفاقات استراتيجية متكررة.
