العهد/ ترجمة روسي
نشر موقع “أخبار ميل” الروسي تقريراً استند إلى آراء خبراء روس، تناول فيه تداعيات الاتفاق الأمريكي-الإيراني بشأن تشكيل مجموعات عمل متخصصة لمعالجة أزمات المنطقة، ولا سيما الملف اللبناني.
ويرى الخبراء الذين استطلعهم التقرير وترجمته "العهد"، أن نجاح هذه الآلية سيعتمد إلى حد كبير على مدى استعداد واشنطن للجم اندفاعات حكومة بنيامين نتنياهو، التي تنظر بقلق إلى أي تفاهمات تقلص هامش حركتها العسكرية. ويكشف التقرير عن مؤشرات متزايدة على أن التفاهمات الجديدة تمنح الجمهورية الإسلامية موقعاً تفاوضياً متقدماً، فيما تضع الكيان الصهيوني أمام قيود لم يكن معتاداً عليها خلال السنوات الماضية.
يرى كيريل سيميونوف، عضو مجلس إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط، في حديثه لموقع “نيوز رو”، أن مجموعات العمل الأربع التي اتفقت الولايات المتحدة وإيران على تشكيلها أُنشئت بوصفها آلية عملية لإدارة المفاوضات وتسوية الأزمات الإقليمية، إلا أنه يوضح أن قدرتها على أداء هذا الدور ما زالت غير محسومة بصورة كاملة.
ويلفت الخبير الروسي الانتباه إلى أن كلا الطرفين، الأمريكي والإيراني، يُظهران حتى الآن استعداداً لتقديم تنازلات متبادلة. ويعتبر سيميونوف أن أحد المؤشرات الدالة على ذلك يتمثل في تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية تخفيف أو “تمييع” اليورانيوم عالي التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، وهو ما يعكس مرونة تفاوضية لم تكن مطروحة في مراحل سابقة.
ويتابع سيميونوف موضحاً أن واشنطن ستواصل ممارسة الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو بهدف تعديل موقفها من الملف اللبناني، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية ستسعى خلال فترة الستين يوماً المقبلة إلى دفع الكيان الصهيوني نحو وقف جميع عملياته العسكرية داخل لبنان.
ويقول الخبير الروسي إن واشنطن ستواصل الضغط على نتنياهو لإجباره على وقف أي عمليات عسكرية في لبنان خلال هذه الفترة الزمنية، في إشارة إلى وجود توجه أمريكي متزايد للحد من التصعيد العسكري الذي يهدد فرص نجاح التفاهمات الجديدة.
من جهتها، ترى ليودميلا سامارسكايا، الباحثة في مختبر مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد الاقتصاد والعلاقات الدولية في الأكاديمية الروسية للعلوم، أن الكيان الصهيوني سيحاول بدوره نقل رؤيته الخاصة إلى الإدارة الأمريكية، وسيواصل على الأرجح نهجه التقليدي في التعامل مع الساحة اللبنانية.
وتوضح الباحثة أن استدامة العملية التفاوضية ما تزال محل شك وتساؤل، مشيرة إلى أن الكيان الصهيوني لا يزال يعتبر المسار الدبلوماسي وسيلة محدودة الفاعلية لتحقيق أهدافه الأمنية والسياسية في هذا الملف.
ويلفت التقرير إلى أن موقع أكسيوس، نقلاً عن مصادر إسرائيلية، أفاد بأن التفاهمات الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن لبنان تمثل عملياً مراجعة للترتيبات التي جرى التوصل إليها عام 2024 خلال إدارة جو بايدن. فبينما كانت تل أبيب تحتفظ آنذاك بحق التحرك ضد أي تهديد تعتبره صادراً عن حزب الله، أصبحت حرية حركتها اليوم أكثر تقييداً، إذ باتت محصورة بالحالات التي تُصنف على أنها خطر مباشر وفوري.
ويشير التقرير كذلك إلى أن الكيان الصهيوني، بخلاف إيران، لم يُدرج ضمن آلية المتابعة والرقابة الخاصة بالتفاهمات الجديدة، وهو ما يعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الترتيبات السياسية التي يجري العمل عليها في المنطقة.
ويشرح التقرير أن الموقف الإسرائيلي من لبنان ما يزال يمثل أحد أبرز عوامل الخطر التي قد تهدد العملية التفاوضية برمتها. ففي الحادي والعشرين من حزيران، أعلن بنيامين نتنياهو أن حكومته لا تنوي التخلي عما وصفه بـ”الإنجازات المهمة” التي حققتها على الجبهة اللبنانية، مؤكداً أن قواته ستواصل البقاء داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان طالما رأت أن ذلك ضروري لحماية شمال فلسطين المحتلة من هجمات حزب الله.
وفي المقابل، يلاحظ التقرير أن الموقف الأمريكي يبدو متناقضاً في بعض جوانبه. فالرئيس دونالد ترامب وجّه انتقادات علنية إلى تصرفات الكيان الصهيوني ودعا نتنياهو إلى إبداء قدر أكبر من المسؤولية في التعامل مع الملف اللبناني. غير أن تقارير صادرة عن القناة الثانية عشرة الإسرائيلية وشبكة i24NEWS أشارت إلى أن مسؤولين أمريكيين أكدوا للجانب الإسرائيلي أن انسحاب جيش الاحتلال من لبنان لم يُدرج بصورة ملزمة في مذكرة التفاهم، وأن ما يسمى “حق الدفاع عن النفس” ما يزال قائماً من وجهة نظر واشنطن.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل التفاهمات الأمريكية-الإيرانية سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على احتواء الاعتراضات الإسرائيلية ومنعها من تقويض المسار الدبلوماسي الناشئ. كما أن الملف اللبناني يبدو مرشحاً لأن يكون الاختبار الأول لمدى جدية واشنطن في تنفيذ التزاماتها الجديدة، ولمدى نجاح الجمهورية الإسلامية في ترجمة مكاسبها السياسية إلى ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً وتأثيراً.
