ترامب يكشف أزمة بريطانيا الخفية.. نفط بحر الشمال ينضب وحلم الهيمنة الأوروبية يتلاشى
26-06-24 15:29:00

العهد/ ترجمة روسي

في مقال تحليلي نشرته وكالة "ريا نوفوستي" الروسية وترجمته "العهد"، يرى الكاتب الروسي سيرغي سافتشوك أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سقوط حكومة ستارمر لم تكن مجرد تعليق سياسي عابر، بل حملت رسائل أعمق تتعلق بالأزمة البنيوية التي تواجهها بريطانيا في مجال الطاقة.

يرى الكاتب أن ترامب علّق على استقالة كير ستارمر بطريقته المعهودة، قائلاً إن رئيس الوزراء البريطاني “أغرقته” أزمتا الهجرة غير الشرعية والطاقة، مضيفاً أنه لو قام بزيادة إنتاج النفط من بحر الشمال لكان وضعه السياسي ووضع المملكة المتحدة أفضل بكثير.

ويشير الكاتب إلى أن أزمة الهجرة تبدو واضحة للعيان من خلال الاضطرابات التي شهدتها مدينة بلفاست، إلا أن حديث ترامب عن النفط يحمل أبعاداً استراتيجية أعمق ترتبط بطبيعة العلاقات الأمريكية الأوروبية والتنافس في أسواق الطاقة العالمية.

ويشرح الكاتب أن قصة ثروة بحر الشمال بدأت في ستينيات القرن الماضي عندما اكتشفت شركة Phillips Petroleum حقل إيكوفيسك العملاق بين النرويج وبريطانيا. وسرعان ما دخل البريطانيون سباق التنقيب ليكتشفوا حقولاً ضخمة مثل كلير وفورتيز وبازارد وشيهاليون وجاكدو وروزبانك، ما أطلق ثورة نفطية غيرت وجه الاقتصاد البريطاني.

ويلفت إلى أن تلك المرحلة شهدت ولادة خام “برنت” الشهير الذي تحول لاحقاً إلى المعيار العالمي لتسعير النفط، ليس فقط بالنسبة للنفط الخام، بل أيضاً لمجمل أسواق الطاقة العالمية.

ويتابع الكاتب موضحاً أن اسم “برنت” لا يعود إلى اختصار تقني كما يعتقد البعض، بل استُلهم من اسم نوع من الأوز البحري الأسود الذي يعيش بكثافة في سواحل شمال بريطانيا وجزر شتلاند. ويرى أن النجاح الكبير لخام برنت ارتبط بانخفاض نسبة الكبريت فيه وسهولة تكريره، ما جعله خاماً مفضلاً لدى المصافي العالمية. وخلال العقود اللاحقة تدفقت عائدات النفط على لندن، فجمعت بريطانيا بين مكانتها كمركز مالي عالمي وقوة طاقة مؤثرة.

ويشير الكاتب إلى أن ذروة الإنتاج النفطي البريطاني تحققت عام 1999 عندما بلغ الإنتاج نحو 2.7 مليون برميل يومياً، إلا أن المنحنى بدأ بعد ذلك بالانحدار نتيجة نضوب الحقول القديمة وتزايد القيود البيئية واشتداد المنافسة العالمية.

ويلاحظ الكاتب أن الولايات المتحدة استفادت من هذا التراجع البريطاني، حيث كانت تسعى منذ سنوات إلى تعزيز مكانة خام غرب تكساس الوسيط في مواجهة هيمنة برنت على أسواق التسعير الدولية. ولذلك رحبت واشنطن بانخفاض إنتاج بحر الشمال بالتزامن مع ارتفاع إنتاجها المحلي.

ويتابع الكاتب موضحاً أنه بحلول عام 2020 انخفض إنتاج بحر الشمال إلى نحو 920 ألف برميل يومياً فقط، ما مثل تراجعاً حاداً مقارنة بمستويات الذروة السابقة، في حين أسهمت وفرة الإمدادات الروسية والسعودية خلال بعض الفترات في زيادة الضغوط على المنتجين البريطانيين.

ويشرح الكاتب أن هذا التراجع دفع القائمين على سوق برنت إلى توسيع سلة الخام المرجعية لتشمل إنتاجاً نفطياً أوسع من منطقة الأطلسي، ما أدى إلى ظهور معيار BFOE الجديد للحفاظ على مكانة برنت في الأسواق العالمية.

ويشير إلى أن التوقعات المستقبلية تبدو أكثر تشاؤماً، إذ تتحدث التقديرات الرسمية البريطانية عن استمرار انخفاض الإنتاج خلال العقود المقبلة بصورة كبيرة، ما يهدد بفقدان المملكة المتحدة جزءاً مهماً من استقلالها في مجال الطاقة.

ويلفت الكاتب إلى أن النفط ما يزال يمثل نحو 36 بالمئة من مزيج الطاقة البريطاني، كما يغطي الجزء الأكبر من احتياجات النقل البري والجوي، ما يعني أن أي تراجع إضافي في الإنتاج المحلي سيزيد اعتماد بريطانيا على الواردات الخارجية.

ويرى أن هذا الواقع يضع لندن أمام معضلة استراتيجية حقيقية، إذ إن الاعتماد المتزايد على النفط المستورد سيجعلها أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية ولضغوط الدول المصدرة للطاقة، وسيحد من قدرتها على تنفيذ طموحاتها السياسية والعسكرية على الساحة الدولية.

ويخلص الكاتب إلى أن كلمات ترامب لم تكن مجرد انتقاد لشخص كير ستارمر، بل إشارة إلى أزمة أعمق تعاني منها بريطانيا وأوروبا عموماً. فالتراجع المستمر في إنتاج الطاقة المحلية، مقروناً بالأزمات الاقتصادية والهجرة والانقسامات السياسية، يكشف حجم التحديات التي تواجه النموذج الأوروبي في المرحلة المقبلة. كما يرى الكاتب أن الدول التي تمتلك الموارد الطبيعية الكبرى وقدرات الإنتاج الواسعة ستظل صاحبة التأثير الأكبر في رسم ملامح النظام الدولي الجديد، بينما ستجد الدول المعتمدة على الواردات نفسها أكثر عرضة للضغوط والتبعية في عالم يشهد تغيرات استراتيجية متسارعة.