العهد/ تقارير
في الوقت الذي تواصل فيه بعض القوى والشخصيات السياسية الحديث عن "تهميش" المكون السني داخل مؤسسات الدولة، وخطاب النازحين والمغيبين، تكشف الوقائع السياسية والإدارية خلال أكثر من عقدين صورة مغايرة، إذ شغل أبناء المحافظات السنية مناصب سيادية وتنفيذية وتشريعية متقدمة، بدءاً من رئاسة مجلس النواب وصولاً إلى الوزارات والمحافظات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة.
ومع انطلاق حملة مكافحة الفساد التي تتبناها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، بدأت تتكشف ملفات مالية وإدارية ضخمة تعود لمسؤولين شغلوا مواقع متقدمة في الدولة، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات بشأن طبيعة الأزمات التي عانت منها تلك المحافظات، وما إذا كانت مرتبطة فعلاً بالتهميش أم بسوء الإدارة والفساد واستغلال النفوذ.

الجميلي.. بداية الخيوط
بدأت الخيوط تتكشف مع قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، التي تحولت خلال الأيام الماضية إلى واحدة من أكبر ملفات الفساد المفتوحة أمام القضاء.
وأعلن مجلس القضاء الأعلى، أن اعترافات الجميلي قادت إلى إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير صحة صلاح الدين الحالي رائد الجبوري، ضمن التحقيقات الجارية بشأن الأموال المتحصلة من الهدر في المشاريع المرتبطة بالقضية.
ووفقاً لبيان القضاء، أسفرت عمليات المتابعة والتحري عن ضبط أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار، كان جزء منها مخبأ داخل منازل، فيما عُثر على الجزء الآخر مدفوناً تحت الأرض بعمق أربعة أمتار باستخدام آليات حفر متخصصة.
وأكد البيان أن مجموع الأموال المضبوطة تجاوز 98 مليار دينار و11 مليون دولار، مع استمرار التحقيقات لكشف بقية المتورطين والأموال المتحصلة من المشاريع محل التحقيق.

تمثيل سياسي واسع
وخلال السنوات الماضية، لم تقتصر مشاركة المكون السني على التمثيل النيابي فحسب، بل شملت مواقع سيادية وإدارية متقدمة، بينها رئاسة مجلس النواب في أكثر من دورة، ووزارات سيادية وخدمية ومحافظات وهيئات مستقلة ومؤسسات حكومية متعددة.
كما حظيت المحافظات المحررة بتخصيصات مالية كبيرة ضمن الموازنات العامة، فضلاً عن مشاريع إعادة إعمار واسعة وبرامج دعم حكومية ودولية لإعادة الاستقرار وتأهيل البنى التحتية والخدمات بعد تحريرها من تنظيم داعش.
وتظهر هذه المعطيات أن إشكالية تلك المحافظات لم تكن مرتبطة بغياب التمثيل السياسي أو المشاركة في السلطة، بقدر ما ارتبطت بملفات الإدارة والرقابة وسوء استخدام الموارد العامة.
صلاح الدين.. نموذج للجدل
وتبرز محافظة صلاح الدين بوصفها نموذجاً واضحاً لهذا الجدل، إذ شغل عدد من أبنائها مناصب سياسية وإدارية مهمة خلال السنوات الماضية، إلا أن المحافظة نفسها شهدت فتح ملفات فساد متعددة تتعلق بمشاريع خدمية وعقود حكومية وأموال عامة.
وجاءت التطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الجميلي لتسلط الضوء مجدداً على حجم الأموال المتداولة في بعض الملفات، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مصير الموازنات والمشاريع التي خُصصت للمحافظة خلال السنوات الماضية.

تحركات حكومية وقضائية
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية عمار البهادلي أن الحكومة الحالية تمضي باتجاه إجراءات أكثر حزماً في ملاحقة المتورطين بالفساد واسترداد الأموال المنهوبة.
وقال البهادلي لـ"العهد" إن "رئيس الوزراء علي الزيدي بدأ خطوات عملية لملاحقة المطلوبين واستعادة الأموال العامة"، مؤكداً أن "ملف مكافحة الفساد يمثل أحد أبرز المطالب الشعبية في المرحلة الحالية".

الفساد لا يمثل مكوناً
من جانبه، شدد الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين على أن التحقيقات لا تزال مستمرة في عدد من القضايا، بينها ملفات ترتبط بقطاع المصافي والعقود الحكومية.
وأوضح ياسين لـ"العهد" أن "ديوان الرقابة المالية يواصل تدقيق العقود التي تحيط بها شبهات فساد قبل إحالتها إلى القضاء"، مشيراً إلى أن "استرداد الأموال المنهوبة وملاحقة المتورطين داخل العراق وخارجه يمثلان ركناً أساسياً في معركة مكافحة الفساد".
وأكد أن "الفساد لا يرتبط بمكون أو منطقة أو انتماء سياسي، وإنما يتعلق بأشخاص استغلوا مواقعهم الوظيفية لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب المال العام".
رؤوس الفساد تحت المجهر
بدوره، أكد النائب عن كتلة الصادقون أحمد كاين الخزعلي أن الفساد ظل لسنوات طويلة أحد أبرز التحديات التي واجهت الدولة العراقية.
وقال الخزعلي في حديث لبرنامج "نصف دائرة" إن "الأمل بحكومة الزيدي في ملف مكافحة الفساد كبير جداً"، مشيراً إلى أن" رئيس الوزراء "قليل الكلام كثير الفعل".
وأضاف أن "الأيام المقبلة قد تشهد سقوط المزيد من "رؤوس الفساد"، مؤكداً أن "أي شخصية يثبت تورطها ستُعلن أمام الرأي العام، وأن إجراءات المحاسبة يجب أن تشمل الجميع دون استثناء".
التهميش أم الفساد؟
ومع استمرار التحقيقات في قضية عدنان الجميلي وما نتج عنها من ضبط عشرات المليارات من الدنانير وملايين الدولارات، تتجدد الأسئلة حول حقيقة الأزمات التي واجهتها بعض المحافظات خلال السنوات الماضية.
فبينما استمرت بعض الخطابات السياسية في الحديث عن التهميش، تكشف الوقائع المتتالية وجود مسؤولين شغلوا مواقع متقدمة وتمتعوا بسلطات واسعة وإمكانات مالية كبيرة، لكن بعضهم يواجه اليوم اتهامات تتعلق بالهدر والفساد وسوء إدارة المال العام.
وفي ظل اتساع التحقيقات القضائية واستمرار حملات الملاحقة، يبدو أن المعركة الحقيقية لا تدور حول التمثيل السياسي أو المشاركة في السلطة، بل حول محاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم، وهو ما قد يكشف خلال المرحلة المقبلة مزيداً من الملفات التي ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات طويلة.
