حرب إيران تقلب موازين القوة العالمية.. هل خسر ترامب ونتنياهو أكثر مما توقعا؟
26-06-23 14:55:00

العهد/ ترجمة روسي

في مقال مطول نشرته الوكالة الدولية الروسية للمعلومات نقلا عن مجلة "فورين بوليسي"، يرى الكاتب الأمريكي مايكل هيرش أن الحرب الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تحقق الأهداف التي سعت إليها واشنطن والكيان الصهيوني، بل تحولت إلى نقطة تحول استراتيجية أضعفت مكانة الولايات المتحدة وحليفها الإسرائيلي، وأعادت رسم توازنات القوة الإقليمية والدولية.

ويشير الكاتب في المقال الذي ترجمته "العهد"، إلى أن ما كان يُراد له أن يكون عملية لإخضاع إيران انتهى، وفق رؤيته، إلى تعزيز موقعها السياسي والجيوسياسي، في حين وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات لم يكن من الممكن تصورها قبل أشهر قليلة فقط. كما يلفت الكاتب إلى أن نتائج المواجهة كشفت حدود القوة الأمريكية وأظهرت هشاشة الاستراتيجية التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في التعامل مع إيران.

ويوضح الكاتب أن الحرب التي شُنت على إيران أطلقت سلسلة من التحولات الجيوسياسية المهمة ستؤدي، بحسب تقديره، إلى إضعاف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني خلال السنوات المقبلة، بعدما كانا يتمتعان قبل أشهر بموقع مهيمن في الإقليم وعلى الساحة الدولية.

ويتابع الكاتب أن المذكرة التي تم توقيعها بين واشنطن وطهران تمثل، من وجهة نظره، تراجعاً أمريكياً واضحاً، إذ تتضمن ترتيبات تسمح بعودة صادرات النفط الإيرانية وتخفيف القيود الاقتصادية والمالية المفروضة على الجمهورية الإسلامية مقابل استئناف المفاوضات وفتح الملاحة في مضيق هرمز.

ويشير إلى أن إدارة دونالد ترامب أنفقت مليارات الدولارات وخاضت مواجهة مكلفة دون أن تحقق مكاسب استراتيجية ملموسة، بينما أدى الصراع إلى استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية وإلحاق أضرار بالاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أساساً من الضغوط التضخمية.

ويلفت الكاتب إلى أن الجمهورية الإسلامية، التي كانت قبل أشهر تعاني من ضغوط اقتصادية وعزلة سياسية، خرجت من الأزمة بوضع مختلف تماماً، إذ استعادت دورها لاعباً محورياً في معادلات المنطقة، وحصلت على فرص اقتصادية ومالية جديدة، فضلاً عن تعزيز شرعيتها الداخلية من خلال خطاب الصمود في مواجهة القوى الكبرى.

ويشرح الكاتب أن أحد أهم المكاسب الإيرانية يتمثل في تعزيز أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، حيث باتت طهران، وفق رؤيته، تمتلك أدوات تأثير أكبر على أسواق الطاقة العالمية وعلى دول الخليج والولايات المتحدة مقارنة بالفترات السابقة.

كما ينقل الكاتب عن الخبير الأمريكي السابق في وكالة الاستخبارات المركزية رويل مارك غيريخت قوله إن الإيرانيين أدركوا الأهمية الاستراتيجية للمضيق، وقد يستخدمون هذه الورقة مستقبلاً لإضعاف منظومة العقوبات التي فرضتها واشنطن على مدى عقود.

ويلاحظ أن تداعيات الحرب لم تقتصر على الشرق الأوسط، بل امتدت إلى العلاقات الأمريكية الأوروبية، حيث اضطرت واشنطن إلى طلب دعم حلفائها الأوروبيين لإنهاء الأزمة، بعد أن كانت الإدارة الأمريكية تتبنى خطاباً متشدداً تجاه أوروبا خلال الأشهر الماضية.

ويشير الكاتب إلى أن عدداً من القادة الأوروبيين ينظرون إلى الاتفاق مع إيران بوصفه المخرج الوحيد لإنهاء الحرب، رغم إدراكهم أن طهران خرجت من الأزمة بمكاسب واضحة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اندلاعها.

ويتابع الكاتب أن الأزمة كشفت أيضاً ما يعتبره نقطة ضعف أساسية لدى ترامب، وهي حساسيته الشديدة تجاه الأسواق المالية والاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي جعل الخصوم الدوليين يدركون أن الضغط الاقتصادي قد يكون أكثر فعالية من المواجهة العسكرية المباشرة.

ويشرح أن جمهورية الصين الشعبية تراقب هذه التطورات عن كثب، وترى فيها مؤشراً على تردد واشنطن في خوض نزاعات كبرى طويلة الأمد، وهو ما قد يؤثر على حسابات الردع الأمريكية في مناطق أخرى من العالم، وخاصة في شرق آسيا.

كما يلفت الكاتب إلى أن الاتفاق الجديد مع إيران يمنحها، بحسب قراءته، مزايا تفوق ما منحته الاتفاقية النووية الموقعة عام 2015، والتي انسحب منها ترامب خلال ولايته الأولى واعتبرها آنذاك أسوأ اتفاق أبرمته الولايات المتحدة.

وعلى الجانب الإسرائيلي، يرى الكاتب أن بنيامين نتنياهو تعرض لضربة سياسية واستراتيجية كبيرة، فبعد أن تمكن خلال السنوات الماضية من توجيه ضربات قاسية لإيران وحلفائها، فإن الحرب الأخيرة، بحسب تقديره، ساهمت في إعادة إحياء قدرات خصمه الرئيسي بدلاً من إضعافه. ويشير إلى أن الخلافات بين نتنياهو وإدارة ترامب بدأت تتسع بصورة متزايدة، لا سيما فيما يتعلق بلبنان ودور حزب الله، حيث باتت واشنطن تنظر إلى التصعيد المستمر بوصفه تهديداً للاستقرار الذي تحاول تكريسه بعد الاتفاق مع طهران.

وينقل الكاتب عن الباحث الإسرائيلي داني سيترينوفيتش قوله إن الخلافات بين الطرفين لم تعد مجرد خلافات تكتيكية، بل تعكس تبايناً عميقاً في تقييم المخاطر ودور الدبلوماسية وآليات إدارة الصراع.

ويختم الكاتب بالتأكيد على أن الحرب الأخيرة كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية وأظهرت أن إيران لا تزال قادرة على فرض نفسها لاعباً أساسياً في معادلات المنطقة رغم عقود من الضغوط والعقوبات. كما يرى أن التهديدات الأمريكية المتكررة باستئناف العمليات العسكرية فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها السابق، بعدما أثبتت الأزمة أن واشنطن أصبحت أكثر حذراً في استخدام القوة وأكثر حساسية تجاه التداعيات الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة واسعة النطاق.