العهد/ تقارير
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية لتحسين الخدمات أو رفع كفاءة المؤسسات، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى منظومة سيادية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني، والقدرة الاستخبارية، وحماية البيانات، وإدارة القرار، والتفوق في الفضاء الرقمي.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه دول كثيرة تناقش القوانين والتنظيمات، تتحرك شبكات معادية ودول منافسة بسرعة أكبر داخل فضاءات الإنترنت المظلم، حيث تُبنى اليوم أدوات الحرب الهجينة، وتُستقطب الخبرات القادرة على تشغيلها وتطويرها.
هذه الحقيقة لا تخص أوروبا وحدها، بل تضع العراق أيضًا أمام سؤال سيادي مباشر: هل يبادر الآن إلى إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي وطني سيادي، أم ينتظر حتى يصبح مستهلكًا لحلول الآخرين ومسرحًا لتهديداتهم؟
الدارك ويب لم يعد هامشًا إجراميًا
تشير المؤشرات المتزايدة إلى أن الدارك ويب لم يعد مجرد فضاء لبيع البيانات المسروقة أو أدوات الاختراق، بل تحول إلى بيئة نشطة لاستقطاب المهارات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
فداخل منتديات مغلقة وقنوات مشفرة، يجري البحث عن ثلاث فئات من الخبرات على وجه الخصوص: خبراء التزييف العميق لإنتاج الفيديوهات المفبركة واستنساخ الأصوات، ومتخصصين في الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتوظيف النماذج اللغوية في الخداع الاجتماعي والهندسة النفسية، ومهندسي البنية التحتية للنماذج القادرين على تشغيل الأنظمة وتعديلها خارج البيئات الخاضعة للرقابة.
الخطير في هذا المشهد أن التجنيد لا يجري دائمًا بصيغة مباشرة أو علنية، بل غالبًا عبر شبكات ثقة، وتقديم العروض بوصفها فرص تعاون أو مشاريع بحثية أو أعمال تقنية مربحة.
وهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط بين “دولة” و”برنامج”، بل بين منظومات قادرة على اكتشاف المواهب واحتضانها وتوجيهها، وأخرى ما تزال تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كملف ثانوي أو رفاهية مؤسسية.
أوروبا تكتشف الخطر
التقرير الأوروبي الذي ينطلق منه هذا النقاش يوضح أن القارة لم تخسر سباق الذكاء الاصطناعي السيادي بعد، لكنها متأخرة، فهي متأخرة في ثلاثة مستويات متوازية: تطوير النماذج الكبرى، ودمج الذكاء الاصطناعي داخل الدفاع والاستخبارات، ومواجهة الحرب الهجينة والتضليل.
فبينما تتحرك الشركات الأوروبية مثل Mistral، وتُطرح مبادرات سيادية في البنية السحابية، ما تزال الاستجابة الأوروبية أبطأ من وتيرة التهديد، خصوصًا مع استمرار قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في خلق معادلة معقدة بين التنظيم من جهة، وسرعة النشر من جهة أخرى.
لكن ما يهم العراق في هذا السياق ليس فقط أن أوروبا متأخرة، بل طبيعة الدرس الغربي نفسه: الدول الغربية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه منتجًا تقنيًا فقط، بل كجزء من الأمن القومي والسيادة، ولذلك تجمع بين مراقبة الدارك ويب والاقتصاد الإجرامي الرقمي من جهة، وبناء خطوط استقطاب للمواهب عبر الزمالات والمنح والبحوث والشراكات الجامعية من جهة أخرى.
كيف تتحرك المخابرات الغربية؟
من الخطأ اختزال المشهد الغربي في فكرة أن “الأجهزة الاستخبارية تجنّد من الدارك ويب” بصيغة مباشرة.
الأدق أن نقول إن المؤسسات الأمنية والاستخبارية الغربية تتعامل مع الدارك ويب بوصفه مساحة رصد استخباري وإنذار مبكر، وفي الوقت نفسه تبني منظومات شرعية وعلنية لاستقطاب المواهب القادرة على منحها التفوق في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
في الولايات المتحدة مثلًا، أنشأت وكالة الأمن القومي NSA مركز أمن الذكاء الاصطناعي ليعمل مع الحكومة والجامعات والصناعة على حماية الذكاء الاصطناعي الوطني وتطوير معايير استخدامه في البيئات الحساسة.
وبالتوازي، أطلقت المؤسسة الوطنية للعلوم NSF برنامج CyberAICorps Scholarship for Service، وهو نموذج شديد الدلالة: الدولة تمول دراسة وتدريب مختصين في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ثم تربطهم لاحقًا بخدمة حكومية ومهام سيادية. في بريطانيا أيضًا، لا يتعامل GCHQ وMI5 مع التقنية كملف مساند، بل كقلب متقدم للعمل الاستخباري، ولذلك يفتحان مسارات توظيف وتدريب وزمالات وبرامج خريجين تستهدف أصحاب المهارات في البيانات، والبرمجة، والبحث، والأمن المعلوماتي.
المغزى هنا واضح: الغرب لا ينتظر أن “يظهر” الخبراء تلقائيًا، بل يبنيهم ويستقطبهم ويحتفظ بهم داخل منظومة الدولة.
وفي الوقت نفسه، تراقب أجهزته وشركاته الأمنية ومنصاته المتخصصة الدارك ويب لرصد التسريبات، وأنماط الاحتيال، والخدمات الإجرامية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحولات أسواق البيانات والأدوات.
أي أن التفوق لا يُبنى فقط عبر شراء التكنولوجيا، بل عبر امتلاك الإنسان القادر على تطويرها وقراءة تهديداتها.
العراق.. إدراك سياسي أولي لكن الفجوة ما تزال كبيرة
في العراق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد حديث نظري، فهناك الاستراتيجية الوطنية العراقية للذكاء الاصطناعي، وتوجد اللجنة العليا للذكاء الاصطناعي المرتبطة بمكتب رئيس الوزراء، كما أُعلن عن المركز الوطني العراقي للذكاء الاصطناعي، وظهرت تصريحات حكومية تؤكد الاتجاه إلى إنشاء مراكز وطنية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتطوير برامج متقدمة داخل الجامعات، وتوسيع الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنية.
كما أن الاستراتيجية الوطنية للأمن 2025–2030 وفرت إطارًا سياسيًا مهمًا يربط الأمن والسيادة بالتحول المؤسسي والاستعداد للتهديدات.
بل إن العراق بدأ يختبر الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني؛ إذ أُعلن في 2025 عن استخدام نظام قائم على الذكاء الاصطناعي في دعم تأمين الانتخابات وتحليل المعطيات الميدانية.
وهذه مؤشرات مهمة لأنها تعني أن الدولة العراقية بدأت تنتقل من مرحلة “الإعجاب بالتقنية” إلى مرحلة اختبارها داخل البيئات الحساسة.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تزال أقل بكثير من مستوى التهديد.
فالعراق ما يزال متأخرًا في ملف الذكاء الاصطناعي السيادي على ثلاثة مستويات خطرة:
أولاً: غياب نموذج وطني سيادي واضح
حتى الآن لا يمتلك العراق نموذجًا سياديًا متكاملاً للذكاء الاصطناعي موجهًا للأمن الوطني، وتحليل البيانات، والخدمات السيادية، وحماية المعلومات الحساسة.
وما دام هذا النموذج غير موجود، فإن الاعتماد على الأدوات الخارجية سيظل قائمًا، ومعه تظل البيانات الحساسة والقدرات التحليلية معرضة للارتهان أو الاختراق أو التبعية التقنية.
ثانيًا: ضعف خط المواهب الوطني
في الوقت الذي تبني فيه الدول المتقدمة منظومات زمالات ومنح وبرامج حكومية لصناعة خبراء الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ما يزال العراق في بداية الطريق.
صحيح أن هناك توجهًا رسميًا لتطوير برامج جامعية متقدمة، لكن المطلوب أكبر من ذلك بكثير: مسار وطني لاستقطاب أفضل العقول العراقية وتمويلها وربطها بمشاريع الدولة السيادية قبل أن تهاجر أو تُستقطب من منظومات خارجية أكثر تنظيمًا وإغراءً.
ثالثًا: غياب قدرة مؤسسية متقدمة لرصد الدارك ويب
وهذه نقطة بالغة الحساسية. فالعراق لم يعد يواجه خطرًا افتراضيًا؛ إذ ظهرت تقارير عن تسرب بيانات عراقية وبيعها في فضاءات الدارك ويب، إلى جانب اتساع مخاطر الابتزاز الرقمي، والخداع، والتضليل، والاختراقات الموجهة.
من دون قدرة وطنية متخصصة في رصد الدارك ويب، وتحليل التسريبات، واكتشاف أنماط التجنيد والاستقطاب والتهديدات الناشئة، سيبقى العراق في موقع رد الفعل لا الفعل.
ما الذي يجب على العراق فعله الآن؟
إذا أراد العراق أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ملفًا سياديًا لا مجرد ملف تقني، فعليه التحرك فورًا في ثلاثة مسارات متوازية:
إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي سيادي عراقي تحت إشراف الدولة، يُبنى لخدمة الأمن الوطني، والتحليل، والخدمات، وإدارة البيانات، مع ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل بنية عراقية خاضعة للسيادة.
بناء برنامج وطني للمواهب يقوم على الزمالات، والمنح، والبعثات، ومختبرات البحث التطبيقي، بحيث تتحول الكفاءات العراقية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني إلى رصيد مؤسسي للدولة، لا إلى طاقات فردية متناثرة.
تأسيس وحدة أو مركز وطني لرصد الدارك ويب والتهديدات الرقمية بوصفها وظيفة أمن قومي، ترتبط بالإنذار المبكر، ومكافحة التسريبات، ورصد التزييف العميق، وتحليل النشاطات الإجرامية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
العراق لا يملك رفاهية الانتظار
الدرس الذي يقدمه المشهد الأوروبي، ومعه التجربة الغربية في مراقبة الدارك ويب واستقطاب العقول، واضح للغاية: الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروع تحديث إداري، بل ركيزة سيادية للأمن القومي.
والدول التي تفهم ذلك لا تكتفي بشراء الأدوات، بل تبني نماذجها، وتحصّن بياناتها، وتستثمر في مواهبها، وتراقب البيئات الرقمية التي تتشكل فيها التهديدات.
العراق يمتلك اليوم نقطة بداية سياسية ومؤسسية، لكنه لا يزال متأخرًا عن تحويلها إلى قدرة سيادية متماسكة.
وكل تأخير إضافي يعني شيئًا واحدًا: أن يدخل العراق سباق الذكاء الاصطناعي من موقع التابع، في وقت أصبحت فيه الدول الأخرى تبني تفوقها عبر البيانات، والعقول، والقدرة على قراءة الدارك ويب قبل أن يتحول تهديده إلى واقع على الأرض.
لذلك، فإن إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي سيادي عراقي لم يعد خيارًا تطويريًا مؤجلًا، بل ضرورة سيادية عاجلة.
