الصراع الأزلي بين الغرب وروسيا كيف سينتهي؟
26-06-14 15:24:00

العهد/ ترجمة روسي

في مقال تحليلي نشرته صحيفة "نوفوستي" الروسية، وترجمته "العهد" تتناول الكاتبة الروسية أولغا أندرييفا، الكيفية التي تحوّلت بها صورة روسيا في الوعي الغربي إلى أداة سياسية ودعائية تُستخدم منذ قرون لتبرير سياسات الاحتواء والعداء والمواجهة. وترى الكاتبة أن الغرب لم يكتفِ بمحاصرة روسيا سياسياً واقتصادياً، بل سعى أيضاً إلى تشويه صورتها الحضارية والثقافية عبر بناء سردية تاريخية تصور الروس باعتبارهم شعباً غريباً ومتوحشاً ومهدداً للحضارة الأوروبية.

تبدأ الكاتبة حديثها بالإشارة إلى تجربة شخصية رواها لها أحد أصدقائها الذين عملوا لسنوات طويلة في مجال الترويج لصورة روسيا وثقافتها في الغرب، حيث كان يشتكي دائماً من أن صورة الروسي في المخيال الغربي لا تتجاوز الدب والباليلايكا والفودكا والدمية الروسية التقليدية “ماتريوشكا”. وتلفت الكاتبة إلى أن مرور ثلاثة عقود لم يغيّر شيئاً جوهرياً في هذه الصورة النمطية، باستثناء إضافة المزيد من عناصر الخوف والرعب إليها.

وترى الكاتبة أن المشكلة لا تكمن في غياب الاهتمام الغربي بالتاريخ الروسي أو الثقافة الروسية أو الفنون الروسية، بل في وجود إرادة سياسية واعية تمنع إدخال هذا الإرث الحضاري إلى التداول الثقافي العام داخل المجتمعات الغربية. وتوضح أن صورة روسيا المسموح بتداولها لدى المواطن الغربي العادي يجب أن تبقى منسجمة مع التوجهات السياسية الرسمية، بينما تتولى مؤسسات إعلامية وأكاديمية وسياسية مهمة مراقبة هذه الصورة والحفاظ عليها ضمن الحدود المطلوبة.

وتشير الكاتبة إلى رأي الباحثة الروسية Natalia Tanshina التي ترى أن صناعة صورة “روسيا المرعبة” تمتد إلى نحو خمسة قرون. وتوضح أن أحد أوائل واضعي أسس هذه الصورة كان الدبلوماسي الألماني Sigismund von Herberstein الذي زار روسيا في عامي 1517 و1526، في مرحلة كانت موسكو قد بدأت تخرج من مرحلة الهيمنة الأجنبية وتحقق توسعاً سياسياً وعسكرياً ملحوظاً.

وتتابع الكاتبة أن مهمة الدبلوماسي الألماني لم تكن دبلوماسية فقط، بل حملت أيضاً أبعاداً استخبارية وسياسية، إذ حاول إقناع موسكو بالانخراط في مشاريع أوروبية تتعلق بالصراع مع الدولة العثمانية والعلاقات مع ليتوانيا، إلا أن الروس رفضوا تلك الضغوط. وتوضح أن كتابه الشهير “مذكرات عن موسكو” جاء في جانب منه لتبرير فشله السياسي، فصوّر الروس باعتبارهم شعباً متوحشاً لا يمكن التفاهم معه.

وتلفت الكاتبة إلى أن هذا الكتاب حقق انتشاراً واسعاً في أوروبا وتحول إلى مرجع أساسي للدبلوماسيين والسياسيين. وقد تضمن، بحسب الكاتبة، سلسلة من الروايات الغريبة والأسطورية التي صورت روسيا باعتبارها أرضاً بدائية وسكانها أناساً يفتقرون إلى الشجاعة والنبل والحرية، بينما جرى تصوير السلطة الروسية بوصفها شكلاً دائماً من أشكال الطغيان والاستبداد.

وترى الكاتبة أن أوروبا في القرن السادس عشر كانت تسعى إلى استخدام روسيا لخدمة مصالحها الخاصة، سواء في إطار الصراع الديني بعد الإصلاح الكنسي أو في المواجهة مع الدولة العثمانية. وعندما رفضت موسكو الانصياع لهذه الأهداف، بدأ بناء صورة “روسيا المخيفة” باعتبارها أداة ضغط ومنافسة سياسية.

وتوضح الكاتبة أن هذه الصورة كانت تظهر كلما حققت روسيا إنجازاً دولياً كبيراً. فبعد مساهمتها في هزيمة نابليون بونابرت، ثم بعد دورها الحاسم في إسقاط أدولف هتلر، كانت السرديات الغربية المعادية تعود مجدداً لتصوير الروس باعتبارهم “برابرة الشرق”، في محاولة لتقويض المكاسب المعنوية والسياسية التي حققتها موسكو.

وتشير الكاتبة إلى أن هذه الفكرة أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من الهوية الأوروبية ذاتها، إذ جرى ترسيخ تصور يقوم على أن الأوروبيين يمثلون الحرية والحضارة، بينما يمثل الروس الاستبداد والخطر القادم من الشرق. وتستشهد الكاتبة بكتابات Karl Marx وFriedrich Engels اللذين تبنيا، بحسب رأيها، الكثير من التصورات القديمة المعادية لروسيا، بل واعتبرا أن تقسيم روسيا يشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق المشروع الثوري الأوروبي.

وتوضح الكاتبة أن القرن العشرين شهد دخول أجهزة الاستخبارات الغربية على خط هذه المعركة الدعائية، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على السياسيين والدبلوماسيين، بل أصبح جزءاً من عمل مؤسسات متخصصة تهدف إلى منع أي صورة إيجابية عن روسيا من الوصول إلى الرأي العام الغربي.

وتشير الكاتبة إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن الثقافة الروسية، رغم إبعادها عن الحياة اليومية للمواطن الغربي العادي، تحولت إلى رمز للنخبة الثقافية والفكرية. فروسيا، بحسب وصفها، أصبحت عنواناً للتميز الثقافي والمعرفي داخل الأوساط الراقية في الغرب.

وتستشهد الكاتبة بما جرى في مسرح La Scala بمدينة ميلان في ديسمبر 2022 عندما افتتح موسمه الفني بأوبرا Boris Godunov للموسيقار الروسي Modest Mussorgsky، رغم أجواء العقوبات والتصعيد السياسي ضد موسكو. وتوضح أن العرض شهد حضور شخصيات سياسية أوروبية بارزة، من بينها Ursula von der Leyen وGiorgia Meloni، كما حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

وتلفت الكاتبة إلى أن هذه الأوبرا نفسها تعكس جانباً من الصراع التاريخي بين أوروبا وروسيا، إذ تتناول محاولات التدخل الخارجي في الشؤون الروسية خلال فترة الاضطرابات التاريخية، وما انتهت إليه تلك المحاولات من فشل.

وتختم الكاتبة بالإشارة إلى تعليق للرئيس الروسي فلادمير بوتين خلال المنتدى الاقتصادي في سانت بطرسبورغ، عندما وصفت إحدى الإعلاميات ما حدث بأنه “معجزة”، فأجابها قائلاً: “أنتم في روسيا”. وترى الكاتبة أن هذا التعليق يلخص جوهر الصورة التي تحاول إيصالها، وهي أن روسيا بالنسبة لكثير من النخب الغربية ليست ذلك الكيان المخيف الذي تروج له الدعاية السياسية، بل حضارة عريقة ما زالت تحتفظ بجاذبيتها الروحية والثقافية، رغم كل محاولات العزل والتشويه التي تتعرض له.