الديناصورات والوجود الإيراني.. "البقاء للأذكى" والأكثر قدرة على التكيّف
26-06-14 14:32:00

العهد / ترجمة عبري

في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، الأحد، وترجمته "العهد"، يقول الكاتب جوناثان أديري: "انقرضت الزواحف العملاقة، لكن أقاربها الصغار، الطيور، نجوا. وينطبق القانون نفسه في الشرق الأوسط: ليس الأقوى هو من ينتصر، بل من يتكيف مع الواقع المتغير، وإيران هي من تفعل ذلك الآن".

الديناصورات لم تنقرض. بتعبير أدق، انقرضت الديناصورات الضخمة والثقيلة عندما أحدث تغير جذري في البيئة فوضى عارمة، بينما نجت الطيور الخفيفة والمجنحة، وتكيفت، وما زالت بيننا حتى اليوم. لم يكن الانقراض الجماعي في صالح الأقوياء، بل في صالح من عرفوا كيف يتكيفون بسرعة.

ويضيف: يحدث شيء مشابه الآن في فضائنا. فالدينصورات الضخمة للنظام العالمي القديم، بما فيها القواعد الأمريكية الضخمة في الخليج العربي، والمعاهدات الإنسانية والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة، وأوبك، وغيرها، والتحالفات الرسمية ونظام الردع المتكافئ، كلها تتلاشى أمام كائنات صغيرة ورخيصة: طائرة مسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات، وقد بلغت المنافسة على التكيف ذروتها. وبشكل يدعو للقلق كل من يثق بأمن "إسرائيل"، فإن إيران هي التي تجسد حالياً روح المناورة في عصر ما بعد الديناصورات.

في أحداث الساعات الأخيرة، بدا لنا أن "إسرائيل" في قلب الأحداث، لكن إيران تتصرف بعنف في محاولة منها لفرض معادلة جديدة في المنطقة. قبل أسابيع، هاجمت محطة براكة النووية في الإمارات العربية، (بحسب زعم الكاتب الصهيوني) تدرك طهران الجديدة أن قواعد اللعبة في المنطقة تُرسَم اليوم للعقود القادمة، لذا فهي تترقب بشغف، مستعدة لدفع الثمن، ويبدو أنها تتصدر سباق التعلم.

في كل ما يهمنا، من الواضح أن الإيرانيين يدركون تمامًا مواطن التوتر. لننظر إلى التسلسل: في أقل من يوم، اختاروا مرارًا وتكرارًا أقصى درجات التوتر، قصف متواصل، وتهديد، وقصف آخر، واستدراج الحوثيين، أما "إسرائيل"، فقد تحركت ضمن نطاق ضيق من القرارات الصعبة للحفاظ على التحالف مع إمبراطورية أمريكية تسحبها إلى الوراء مرتين في ليلة واحدة. على الرغم من المناورات الإيجابية لـ"إسرائيل" في ظل هذه الظروف، إلا أن الفرق مع إيران جوهري. وهنا يكمن الخطر.

اليوم تلعب إيران هذا الدور. إن أي جهة مستعدة لإطلاق طائرة مسيّرة رخيصة الثمن على أحد أكثر المواقع حساسية في العالم، وهي تعلم أنها قد تتسبب في كارثة إقليمية، لمجرد توجيه رسالة، فهي مستعدة لتوتر لا يتوقعه أحد.

ومنذ وقف إطلاق النار الهش الذي توسط فيه الرئيس ترامب، استأنفت إيران إطلاق النار مرارًا وتكرارًا، ليس فقط على "إسرائيل"، بل أيضًا على دول الخليج. هذا ليس سلوك من هُزم، بل سلوك من يتعلم ويرغب في دفع ثمن التعلم.

ويتابع، أحدث مثال على ذلك كان هذا الأسبوع عندما أسقطت إيران مروحية أباتشي أمريكية فوق مضيق هرمز. انظر إلى الصورة: من جهة، العملاق الأمريكي - مروحية أباتشي متطورة، ومن جهة أخرى، الخصم الذي يُسقطها بطائرة رخيصة. هذا هو بالضبط عصر الطيور: الديناصور المدرع، مهما بلغت قوته، يبقى عرضة لهجوم السرب الصغير الرشيق الذي يحتك به مرارًا وتكرارًا. وكل ضربة من هذا القبيل ليست مجرد ضربة، بل درس يتعلم منه أولئك المستعدون للاحتكاك ببعضهم البعض.

في "إسرائيل" يجب ألا نخلق جواً من الغرور والتخلف، فالفصل القادم سيكتبه من يجرؤون على مواجهة الواقع، ويدفعون الثمن، ويتكيفون أسرع من جميع خصومهم.

تتناول سلسلة الوثائق السياسية التي نشرتها الإدارة الأمريكية، بما فيها استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، ووثائق البنتاغون، وتقرير الفريق الاقتصادي، التحول التكنولوجي باعتباره سباق تسلح حقيقي. لكن في ساحة المعركة، يُظهر الخصم الآن ديناميكيات هذا التطور بكامل قوتها. فطائرة بدون طيار موجهة بالألياف البصرية، تُطلق من لبنان أو غزة أو الضفة الغربية، قادرة على تجاوز منطق الدفاع الجوي متعدد الطبقات الذي صدّ آلاف الصواريخ. ولا يتوقف التنافس على التعلم عند هذا الحد، بل يتسارع وتيرته.

إن القواعد الأمريكية على أراضي الخليج توفر الحماية. لكن تبين أن العكس هو الصحيح. فمنذ 28 فبراير شباط، تكبدت قواعد العديد في قطر، والظفرة في الإمارات، والأمير سلطان في السعودية، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تضرر مدارج الطائرات والرادارات والطائرات ومستودعات الذخيرة. لم توفر هذه القواعد الحماية لا للأمريكيين ولا للبلدان المضيفة؛ بل أصبحت نقاط خطر دائمة تُعرّضها للنيران.

وختم الكاتب: تحاول الأطراف المتنازعة تشكيل فصائل متناحرة، لكنها تفشل. في سبتمبر أيلول 2025، وقّعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك تنص على أن "العدوان على أيٍّ من البلدين يُعتبر عدوانًا على كليهما". يبدو هذا الكلام نظريًا مثيرًا للإعجاب، لكن عندما استُهدفت البنية التحتية المدنية السعودية بنيران إيرانية، لم تُقدّم إسلام آباد أي مساعدة عسكرية حقيقية. إن الضمان الأمني الذي لا قيمة له إلا إذا لم يُختبر، ليس ضمانًا حقيقيًا.