العهد/ ترجمة روسي
في قراءة تحليلية للخبير الروسي أليكسي يورك، الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بريماكوف للاقتصاد والعلاقات الدولية في الأكاديمية الروسية للعلوم، نشرتها منصة "أخبار ميل" الروسية، يرى الكاتب أن الحديث الأمريكي المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يعكس بالضرورة وجود تقدم حقيقي على أرض الواقع، بل يكشف عن فجوة عميقة بين مطالب الطرفين.
ويشير الكاتب في مقاله الذي ترجمته "العهد نيوز" إلى أن الضغوط التي تمارسها واشنطن، إلى جانب محاولات الكيان الصهيوني عرقلة أي تفاهم محتمل، تجعل فرص الوصول إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً، فيما تواصل طهران التمسك بحقوقها السيادية ورفضها تقديم تنازلات استراتيجية تحت وطأة الضغوط والعقوبات.
يوضح الكاتب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد مجدداً للحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، مؤكداً أن التفاهم قد يتحقق خلال يومين أو ثلاثة أيام فقط. ووفقاً لتصريحات ترامب، فإن الاتفاق المرتقب يتضمن تخلي إيران عن امتلاك السلاح النووي وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
ويلفت إلى أن الرئيس الأمريكي كان قد تحدث قبل ساعات فقط عن إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال أسابيع قليلة، وهو ما يعكس استمرار حالة الضبابية التي تحيط بالمسار التفاوضي بين الطرفين.
ويرى أليكسي يورك أن التصريحات الرسمية الصادرة عن واشنطن وطهران تؤكد أن أياً من الطرفين لم يُظهر حتى الآن استعداداً حقيقياً لتقديم التنازلات المطلوبة لإنجاز اتفاق نهائي.
ويشرح الكاتب أن الولايات المتحدة تصر على مجموعة من الشروط الأساسية، تشمل ضمان حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز، وإلغاء أي رسوم أو قيود إيرانية على المرور عبره، فضلاً عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة.
في المقابل، يشير الكاتب إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتمسك بمطالبها الخاصة، وفي مقدمتها رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والإفراج عن جميع الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي تفاهم مستقبلي.
ويؤكد أليكسي يورك أن البيئة السياسية الحالية لا تسمح لأي من الطرفين بإظهار المرونة المطلوبة، موضحاً أن التنازل في ظل أخطر مرحلة من مراحل التصعيد بين الجانبين يُنظر إليه داخلياً على أنه مظهر من مظاهر الضعف غير المقبول سياسياً.
ويتابع الكاتب أن أي خطأ أو تطور غير محسوب يمكن أن يؤدي إلى إفشال المسار التفاوضي بالكامل، سواء كان ذلك نتيجة إحباط ترامب من المفاوضات الطويلة التي لم تحقق نتائج ملموسة من وجهة نظره، أو بسبب خطوات استفزازية قد يقدم عليها الكيان الصهيوني، أو حتى نتيجة تصاعد الخلافات والتجاذبات السياسية داخل إيران.
ويلاحظ الكاتب أن أقصى ما يمكن الحديث عنه في المرحلة الحالية ليس اتفاقاً شاملاً وملزماً، وإنما مذكرة تفاهم أو إعلان مبادئ محدود الصلاحيات وغير ملزم قانونياً، يتم تصميمه بعناية بحيث يسمح لكل طرف بإعلان انتصاره أمام جمهوره الداخلي دون تقديم تنازلات جوهرية.
ويرى أليكسي يورك أن مثل هذا السيناريو، رغم محدوديته، قد يكون المخرج الوحيد المتاح للطرفين في الظروف الراهنة، إلا أنه يقر في الوقت نفسه بأن حتى هذا الخيار يبدو صعب التحقيق في ظل استمرار حالة التوتر وانعدام الثقة المتبادلة.
ويشير الكاتب إلى أن شبكة "سي إن إن" الأمريكية أحصت أكثر من ثلاثين تصريحاً للرئيس ترامب أكد فيها أن الاتفاق مع إيران بات وشيكاً، إلا أن أياً من هذه التوقعات لم يتحقق حتى الآن، الأمر الذي دفع القناة الأمريكية إلى التشكيك في جدية هذه التصريحات واعتبارها أقرب إلى رسائل سياسية وإعلامية منها إلى مؤشرات تستند إلى تقدم فعلي في المفاوضات.
ويختتم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن المشهد الحالي يعكس مأزقاً تفاوضياً حقيقياً، حيث تتمسك واشنطن بسياسة الضغوط القصوى وتسعى إلى فرض شروط واسعة تتجاوز الملف النووي، بينما ترفض طهران القبول بأي تسوية لا تتضمن رفع العقوبات وضمان حقوقها الاقتصادية والسيادية. وبين هذين الموقفين المتصلبين، يبقى الاتفاق الشامل بعيد المنال، فيما تزداد احتمالات الاكتفاء بتفاهمات مؤقتة وهشة لا تعالج جذور الأزمة، بل تؤجل انفجارها إلى مرحلة لاحقة.
