لبنان على فوهة البركان.. تصعيد "إسرائيلي" يكشف عجز واشنطن عن ضبط المشهد الإقليمي
26-06-10 15:20:00

العهد/ ترجمة روسي

في تحليلٍ مشترك للكاتبين ليونيد تسوكانوف وأنستاسيا كوستينا نشرته صحيفة "إزفيستيا" الروسية، يرى الكاتبان أن التطورات الأخيرة في لبنان والمواجهة المتجددة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني تكشف عن مرحلة أكثر خطورة في مسار الصراع الإقليمي، حيث باتت محاولات واشنطن فرض نفسها كوسيط أوحد تواجه تحديات متزايدة، في وقت تبرز فيه الجمهورية الإسلامية بوصفها لاعباً قادراً على فرض معادلات ردع جديدة ومنع الكيان الصهيوني من الانفراد بتحديد قواعد الاشتباك.

ويلفت الكاتبان في التقرير الذي ترجمته "العهد"، إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وإيران لم تؤدِّ إلى إخضاع محور المقاومة، بل أسهمت في توسيع دائرة المواجهة وتعميق المأزق الأمريكي في المنطقة، بينما تزداد الدعوات الإقليمية لإشراك روسيا في جهود التسوية نظراً لما تمتلكه من خبرة وتأثير في ملفات الشرق الأوسط، مقابل تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على إنتاج حلول مستقرة أو إلزام حلفائها بها.

ويوضح الكاتبان أن شرارة الأزمة الحالية انطلقت عقب الغارات الجوية التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي في السابع من حزيران/يونيو على أهداف في العاصمة اللبنانية بيروت زعم أنها مرتبطة بحزب الله، ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة عدد من الأشخاص.

ويشير الكاتبان إلى أن هذه الضربات دفعت طهران إلى تنفيذ تهديداتها السابقة بالرد على أي خرق لاتفاق التهدئة في لبنان، حيث أطلقت القوات الجوفضائية التابعة للجمهورية الإسلامية ما لا يقل عن عشرين صاروخاً بالستياً متوسط المدى وعدداً من الطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه أهداف إسرائيلية، وتمكنت بعض هذه الوسائط الهجومية، بحسب المعطيات المتوافرة، من إصابة أهدافها.

ويتابع الكاتبان أن الكيان الصهيوني رد باستهداف مصانع عسكرية ومنظومات دفاع جوي ومواقع لإطلاق الصواريخ داخل إيران، كما استهدفت غاراته مصفاة نفط في مدينة الأهواز، في خطوة اعتبرتها طهران تجاوزاً لخط أحمر إضافي، نظراً إلى وجود تفاهم غير معلن بين الطرفين منذ نيسان/أبريل 2026 يقضي بالامتناع عن استهداف المنشآت النفطية والطاقة.

ويلفتان إلى أن الرد الإيراني لم يتأخر، إذ أطلقت طهران دفعة جديدة من الصواريخ الباليستية باتجاه الأراضي المحتلة، هذه المرة بدعم من القوات الصاروخية التابعة لحركة أنصار الله اليمنية. وأكد المتحدث باسم الحركة يحيى سريع أن العملية المشتركة استهدفت مدينتي تل أبيب وحيفا إضافة إلى ما وصفها بـ«قواعد المعتدين» في المنطقة، بما في ذلك قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية.

ويلاحظ الكاتبان أن سلطات الاحتلال لم تبدِ رداً مباشراً على هذه الضربات، بينما نقلت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية عن مسؤول رفيع المستوى أن الجيش الإسرائيلي أوقف عملياته ضد إيران بناءً على طلب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لوقف دوامة التصعيد المتبادل.

ويشرح الكاتبان أن طهران وجهت في المقابل رسالة شديدة اللهجة إلى خصومها، مؤكدة أن أي استهداف جديد للبنية التحتية الحيوية داخل الجمهورية الإسلامية سيقابل برد أوسع وأكثر إيلاماً. وجاء في بيان للحرس الثوري الإيراني أن استهداف المنشآت المدنية والنفطية يمثل لعبة خطيرة قد تمتد تداعياتها إلى جميع منشآت الطاقة في المنطقة.

ويرى الكاتبان أن المثير للاهتمام في الأزمة الحالية هو سلوك الإدارة الأمريكية، إذ لم تسارع واشنطن إلى الانخراط المباشر في المواجهة كما حدث في محطات سابقة، بل حاولت إظهار نفسها بمظهر الطرف المحايد نسبياً، حتى إن البيت الأبيض سعى إلى ثني رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو عن تنفيذ ردود إضافية ضد إيران.

وينقل الكاتبان عن الخبير السياسي داستان توكولدوشيف قوله إن "الجولة الجديدة من التصعيد جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة، لأنها تزامنت مع محاولات واشنطن معالجة خلافاتها مع طهران وصياغة آلية دائمة للضمانات المتبادلة".

ويؤكد الخبير، بحسب ما يورده الكاتبان، أن "الإدارة الأمريكية دفعت ثمناً سياسياً ومالياً وعسكرياً باهظاً نتيجة انخراطها الطويل في الملف الإيراني"، وأن "التصعيد الجديد يكشف هشاشة الجهود الأمريكية ويضعف صورتها كوسيط قادر على إدارة الأزمات الإقليمية".

ويشرح الكاتبان أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الكيان الصهيوني لا يندرج ضمن الإطار الرئيسي للتسوية بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يجعل أي تعهدات أمريكية عرضة للانهيار إذا قررت تل أبيب التحرك بصورة منفردة.

وفي هذا السياق، ينقل الكاتبان عن المحلل السياسي عدوان هشام تأكيده أن إسرائيل، رغم كونها شريكاً أصغر للولايات المتحدة، باتت تتصرف وفق مصالحها الخاصة أكثر فأكثر، وتتحدى الإرادة الأمريكية في العديد من الملفات، الأمر الذي يقلل من قيمة الضمانات التي يقدمها ترامب للإيرانيين.

ويلفت الكاتبان إلى أن الجمهورية الإسلامية تسعى إلى بناء منظومة ضمانات أكثر استقراراً وفاعلية، وترى أن إشراك قوى دولية ذات ثقل، وفي مقدمتها روسيا، يمكن أن يساعد على تحقيق هذا الهدف.

ويختتم الكاتبان بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، فمستوى التوتر يتصاعد تدريجياً، ومحاولات إخراج لبنان من دائرة المواجهة لم تحقق نجاحاً ملموساً حتى الآن. كما أن تراكم الخلافات بين أطراف الصراع يجعل الاكتفاء بالضربات الرمزية أمراً أكثر صعوبة مع مرور الوقت، ما يرفع من احتمالات العودة إلى مواجهات عسكرية واسعة. وفي ظل هذه المعادلة، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين: إما إشراك قوى دولية أخرى في جهود التسوية، وعلى رأسها روسيا، أو الاستمرار في احتكار الوساطة مع خطر الفشل في التوصل إلى اتفاق مستدام، غير أن المؤشرات الحالية تدل على أن إدارة ترامب ما زالت تراهن على نجاح نموذجها التفاوضي رغم التحديات المتزايدة التي تواجهه.