العهد/ ترجمة روسي
في تقرير تحليلي نشرته صحيفة "فيدوموستي" الروسية للكاتب نورلان غاسيموف، وترجمته "العهد"، يرى الكاتب أن منطقة الخليج تقف مجدداً على حافة مواجهة واسعة بعد انهيار الثقة المتبادل بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم استمرار المفاوضات السياسية بين الطرفين.
ويشير الكاتب إلى أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة التفاهمات التي أُعلن عنها خلال الأشهر الماضية، كما أظهرت أن الأدوات العسكرية ما زالت تحتل موقعاً متقدماً في إدارة الصراع بين واشنطن وطهران. ويلفت إلى أن الجمهورية الإسلامية تسعى إلى فرض معادلات ردع جديدة تمنع الولايات المتحدة وحلفاءها من استغلال فترات التهدئة لزيادة الضغوط السياسية والعسكرية، فيما تبدو الإدارة الأمريكية عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي يفرض شروطها على طهران.
ويشير الكاتب إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته الولايات المتحدة وإيران مطلع شهر نيسان بات مهدداً بالانهيار، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن خرق التهدئة وتقويض فرص التسوية السياسية.
ويوضح أن الحرس الثوري الإيراني نفذ في الثالث من حزيران سلسلة عمليات متزامنة استهدفت مطار الكويت الدولي وناقلة نفط أمريكية في محيط مضيق هرمز ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، إضافة إلى قاعدة جوية في إحدى دول المنطقة لم يُكشف عن اسمها. وبحسب البيان الصادر عن الحرس الثوري، جاءت هذه العمليات رداً على غارات أمريكية استهدفت ناقلة نفط إيرانية ومنشآت مرتبطة بإدارة الطائرات المسيّرة في منطقة غورك وجزيرة قشم قبل يومين من ذلك.
ويلفت إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية حمّلت الولايات المتحدة، إلى جانب بعض الدول العربية المجاورة، مسؤولية التصعيد ضد إيران، مؤكدة أن طهران ستستخدم جميع الوسائل المتاحة لمنع أي تهديد ينطلق من أراضي تلك الدول، بما في ذلك توجيه ضربات مباشرة إلى مصادر العدوان والقواعد العسكرية المستخدمة ضدها.
ويتابع أن السلطات الكويتية أكدت تعرض مطار الكويت الدولي لهجوم جوي، ما أدى إلى مقتل شخص واحد وإلحاق أضرار كبيرة بالمطار، فضلاً عن تعليق شركة الخطوط الجوية الكويتية جميع رحلاتها الجوية بصورة مؤقتة.
وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت إحباط الهجمات الإيرانية، مؤكدة أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية تمكنت من إسقاط جميع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي كانت تستهدف الكويت. كما أعلنت القوات الأمريكية والبحرينية اعتراض ثلاثة صواريخ إيرانية فوق أجواء المنامة، فيما نفذت واشنطن هجوماً مضاداً استهدف مركز قيادة عسكرياً إيرانياً في جزيرة قشم.
ويضيف الكاتب أن وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت كذلك استهداف غرفة المحركات في ناقلة النفط الإيرانية “إم/تي ليكسي” التي كانت تبحر تحت علم بوتسوانا، وذلك لمنعها من الوصول إلى جزيرة خرج الإيرانية.
ويشير إلى أن هذه التطورات جاءت في وقت تستمر فيه المفاوضات السياسية بين طهران وواشنطن، إذ أعلن الطرفان في الخامس والعشرين من أيار إحراز تقدم كبير في معظم الملفات الخلافية المتعلقة باتفاق محتمل، قبل أن تتعرض المفاوضات لانتكاسة جديدة بعد تهديد إيران بالانسحاب من الحوار إذا لم يتوقف الكيان الصهيوني عن عملياته العسكرية ضد حزب الله في لبنان.
ويرى الكاتب، نقلاً عن الباحث في مركز الاستراتيجيات والتقنيات الروسي يوري ليامين، أن إيران تستخدم الأدوات العسكرية للضغط على الولايات المتحدة ودفعها نحو تقديم تنازلات خلال المفاوضات. ويشير ليامين إلى أن القيادة الإيرانية تعتقد أن إظهار المرونة أمام إدارة ترامب يُفسَّر في واشنطن على أنه ضعف، ما يدفعها إلى مواصلة الضغوط بدلاً من البحث عن حلول وسط.
ويتابع أن طهران تحاول من خلال ردودها العسكرية المحدودة إظهار استعدادها للعودة إلى المواجهة الشاملة إذا اقتضت الضرورة، معتبراً أن هذه السياسة تمثل مخاطرة كبيرة لكنها قد تكون الوسيلة الوحيدة المتاحة حالياً للوصول إلى اتفاق مقبول من الجانب الإيراني.
وفي السياق ذاته، يوضح الكاتب أن الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى في المدرسة العليا للاقتصاد الروسية إيليا فاسكين يعتقد أن إيران لا تزال تفضل إنهاء المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، إلا أن حالة عدم اليقين المرتبطة بسياسات إدارة ترامب تجعل فرص التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ويشير الكاتب إلى أن فاسكين يرى أن الضربات الإيرانية الأخيرة قد تكون مجرد ردود موضعية ومحدودة على الاستفزازات الأمريكية، مرجحاً أن فرص تحقيق استقرار دائم في المنطقة ستزداد بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي الحالية.
وفي الجانب العسكري، يلفت الكاتب إلى أن الخبراء الروس يرون أن إيران نجحت خلال فترة التهدئة في استعادة جزء كبير من قدراتها القتالية التي تضررت أثناء الحرب. ويؤكد يوري ليامين أن البنية التحتية العسكرية الإيرانية تحت الأرض أثبتت فعاليتها العالية، إذ سمحت بحماية الأسلحة والمنظومات الاستراتيجية من الهجمات الجوية الأمريكية والإسرائيلية.
كما يشير الكاتب إلى أن مدير مركز دراسة إيران المعاصرة، رجب صفروف، يؤكد أن العمليات الأخيرة أظهرت استعادة إيران لجزء مهم من قدراتها العسكرية، ما منحها موقعاً تفاوضياً أقوى في مواجهة الولايات المتحدة.
ويوضح أن صفروف يعتبر الولايات المتحدة في وضع معقد، لأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد قادرة على توفير الحماية الكاملة لحلفائها في الخليج كما في السابق، بل تحولت في بعض الأحيان إلى عامل يهدد استقرارهم نتيجة احتمالات تعرض القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لهجمات مباشرة.
ويخلص الكاتب إلى أن المشهد الراهن يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض اتفاق بشروطها، بينما ترفض إيران تقديم تنازلات جوهرية رغم استمرارها في دعم المسار التفاوضي. وبين هذين الموقفين، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تقود إلى تسوية سياسية شاملة إذا نجحت الجهود الدبلوماسية، أو إلى جولة جديدة من المواجهة العسكرية إذا استمرت سياسة الضغوط المتبادلة والتصعيد الميداني.
