العهد/ ترجمة روسي
يقدم تيموفي بورداتشوف، المدير البرامجي لنادي "فالداي" الروسي، قراءة نقدية لطبيعة التنافس الدائر بين دول أوروبا الشرقية لاستضافة القواعد والقوات الأمريكية، معتبراً أن هذا السباق لا يرتبط بالأمن القومي بقدر ما يعكس رغبة النخب الحاكمة في ضمان بقائها واستمرار هيمنتها الداخلية، حتى لو كان الثمن مزيداً من التنازل عن السيادة الوطنية والارتهان للقرار الأمريكي.
يرى الكاتب في التقرير الذي ترجمته "العهد"، أن التاريخ المعاصر يؤكد حقيقة مفادها أن أفضل وسيلة لضمان إفلات النخب السياسية من المساءلة واستمرارها في السلطة هي التخلي عن جزء من سيادة الدولة لصالح راعٍ خارجي. وقد اعتادت دول كثيرة النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها ذلك الراعي القادر على توفير الحماية السياسية والأمنية. واليوم، يلفت الكاتب إلى أن أوروبا الشرقية تشهد سباقاً محموماً بين دولها للحصول على قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية جديدة فوق أراضيها.
ويوضح الكاتب أن السلطات البولندية تضغط بصورة متواصلة من أجل نقل القوات والمعدات الأمريكية التي يجري سحبها من ألمانيا إلى الأراضي البولندية، فيما أعلنت السلطات الليتوانية قبل أيام قليلة عن بدء محادثات تتعلق بإمكانية نشر أسلحة نووية أمريكية داخل البلاد. ويشير الكاتب إلى أن الاعتقاد بأن الهدف الحقيقي من هذه المساعي هو حماية الأمن القومي لهذه الدول يعد تبسيطاً ساذجاً للمشهد.
ويرى الكاتب أن المسألة أكثر بساطة ووضوحاً؛ فبالنسبة للسياسيين في بولندا ودول البلطيق، فإن استضافة قواعد أمريكية تمثل حلاً طويل الأمد لمشكلتين أساسيتين تبرزان دائماً خلال المواسم الانتخابية: الأولى تتعلق بتحديد الاستراتيجية الخارجية للدولة، والثانية تتعلق بكيفية ضمان استمرار النخب الحاكمة ومنع المواطنين المتضررين اقتصادياً أو الساخطين سياسياً من المطالبة بتغييرها.
ويشرح الكاتب أن أسهل وسيلة لتحقيق ذلك تتمثل في التخلي عن إحدى أهم وظائف الدولة، وهي مسؤولية الدفاع عن نفسها. فعندما تُنشر قوات أجنبية داخل دولة ما، تصبح مهمة الدفاع عنها عملياً مسؤولية الدولة التي توفر تلك القوات.
ويشير الكاتب إلى أن ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية تم إعفاؤهما من التفكير المستقل في قضايا الدفاع، بعدما استقرت على أراضيهما قوات الدول المنتصرة بصورة دائمة. صحيح أن هذا الوضع لم يكن اختياراً طوعياً نتيجة الهزيمة العسكرية الساحقة التي تعرض لها البلدان، إلا أنه أسهم في ترسيخ أنماط حكم طويلة الأمد للنخب والأحزاب نفسها لعقود متتالية.
ويلاحظ الكاتب أن هذا النموذج أدى أيضاً إلى تقليص إمكانية التغيير الجذري في السلطة، كما ترتب عليه فقدان جزء من السيطرة الوطنية على الاقتصاد. ويستشهد في هذا السياق بحجم النفوذ والاستثمارات الأمريكية داخل الاقتصاد الألماني، معتبراً أن فرنسا تبقى الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي احتفظت بدرجة أعلى من السيطرة الوطنية على صناعاتها، نظراً لعدم استضافتها قواعد أو قوات أمريكية دائمة بالمعنى الذي عرفته ألمانيا.
ويتابع الكاتب أن غالبية الدول التي استضافت القواعد الأمريكية فعلت ذلك بإرادتها، وسرعان ما بدأت باستخدام هذا الوجود العسكري لتحقيق أهداف داخلية وخارجية. وينقل الكاتب عن شخصيات تركية مطلعة قولها إن وجود قنابل نووية أمريكية على الأراضي التركية يمثل ضمانة قوية ضد أي تهديد محتمل من جانب الكيان الصهيوني، بما يسمح لأنقرة بمواصلة الدفاع عن مصالحها في مناطق التماس الإقليمي، وعلى رأسها الساحة السورية.
ويشير الكاتب إلى أن هذا النوع من الضمانات كان دائماً محل حسد لدى النخب الحاكمة في دول أوروبا الشرقية والبلطيق التي لم تمتلك مستوى الحماية نفسه. ولذلك جرى النظر إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي خلال تسعينيات القرن الماضي باعتباره وسيلة لتثبيت الترتيبات السياسية التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بصورة نهائية.
ويرى الكاتب أن الموقع الجيوسياسي لهذه الدول لا يمنحها فرصاً كبيرة للعب أدوار دولية مؤثرة، كما أن اقتصادها بات مرتبطاً بصورة وثيقة بدول أوروبا الغربية والشمالية التي استحوذت شركاتها على أجزاء واسعة من الأصول الصناعية الوطنية في بولندا ودول البلطيق.
ويضيف الكاتب أن هامش التأثير السياسي لهذه الدول ظل محدوداً أيضاً، الأمر الذي دفعها إلى تبني سياسة خارجية تكاد تقتصر على معاداة روسيا ومواجهتها في مختلف الملفات. ويشرح الكاتب أن بولندا تجمع بين هذا النهج وبين منافسة خفية مع ألمانيا التي تنظر إليها بوصفها منافساً استراتيجياً، بينما لا تمتلك دول البلطيق، بحسب رؤيته، خيارات كثيرة خارج إطار الخطاب المعادي لروسيا.
ويشير الكاتب إلى أن المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي كانت تُستخدم دائماً كوسيلة لطمأنة الحلفاء، إلا أن كثيرين يدركون أن تطبيقها العملي يخضع لحسابات سياسية معقدة ولا يشكل ضمانة مطلقة كما يُصوَّر في الخطاب الإعلامي.
ومن هنا، يرى الكاتب أن الضمانة الأكثر استقراراً بالنسبة لهذه الدول تتمثل في الوجود الفعلي للقوات الأمريكية أو الأسلحة النووية الأمريكية على أراضيها، حتى وإن كان ذلك يعني تحول سيادتها إلى مجرد مفهوم شكلي.
ويختم الكاتب بالإشارة إلى أن الخلافات القائمة حالياً بين إدارة دونالد ترامب وبعض القوى الأوروبية الكبرى فتحت نافذة جديدة أمام بولندا ودول البلطيق لمحاولة جذب أكبر قدر ممكن من القوات والمنشآت الأمريكية التي قد يجري سحبها من ألمانيا. وبرأي الكاتب، فإن قادة وارسو وفيلنيوس لا يبدون اهتماماً كبيراً بالمخاطر التي قد تترتب على شعوبهم جراء هذا التوجه، بل يراهنون على أن نجاحهم في استقطاب الوجود العسكري الأمريكي قبل التوصل إلى تفاهم جديد بين موسكو وواشنطن حول مستقبل الأمن الأوروبي سيضمن لهم ولخلفائهم سنوات طويلة من النفوذ والاستقرار السياسي.
