في المشهد السياسي العراقي، تتداخل التجارب الحزبية مع تحديات الدولة الحديثة، حيث تقع على عاتق القوى السياسية التي تمتلك حضورًا جماهيريًا أو امتدادًا تنظيميًا مسؤولية التحول من فاعلٍ سياسي إلى مساهمٍ حقيقي في بناء الدولة وإدارة مؤسساتها بكفاءة وعدالة.
ومن هذا المنطلق، تبرز “حركة الصادقون” بوصفها أحد الفاعلين السياسيين الذين خاضوا تجربة العمل البرلماني والتنفيذي، بما يفرض قراءة موضوعية لدورها ضمن سياق أوسع يتعلق بإدارة الدولة، لا بمجرد إدارة التوازنات السياسية.
أولاً: من الفعل السياسي إلى مسؤولية الدولة
إن التحول من حركة سياسية إلى شريك في إدارة الدولة يعني الانتقال من منطق “الموقف” إلى منطق “المؤسسة”. فالدولة لا تُدار بالشعارات، بل بالأنظمة والقوانين والتخطيط الاستراتيجي والكفاءة الإدارية.
وعليه، فإن التحدي الأساس أمام أي قوة سياسية تمتلك حضورًا في مؤسسات الدولة هو كيفية تحويل هذا الحضور إلى قيمة مضافة تسهم في:
* تحسين أداء المؤسسات الخدمية
* تعزيز مبدأ الشفافية ومكافحة الفساد
* دعم استقرار القرار الإداري
* بناء كوادر قادرة على القيادة والإدارة لا على الولاء فقط
* حفظ السيادة الوطنية وتعزيز استقلال القرار
* رفع المستوى الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة
ثانيًا: إدارة الدولة بين التمثيل السياسي والكفاءة المؤسسية
تعاني التجربة العراقية عمومًا من إشكالية المزج بين التمثيل السياسي وإدارة الدولة، حيث تُدار بعض الملفات بروح التوازنات لا بروح التخطيط العلمي.
ومن هنا، فإن أي حركة سياسية تشارك في الحكم، ومنها حركة الصادقون، تواجه اختبارًا حقيقيًا في قدرتها على:
* دعم استقلالية المؤسسات عن التجاذبات السياسية
* ترسيخ معايير الكفاءة في التعيين والإدارة
* الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول واستباق الأحداث
ثالثًا: البعد الخدمي كمعيار للنجاح
لم يعد حضور القوى السياسية يُقاس فقط بوزنها الانتخابي، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطن وتوفير الخدمات. فالمعيار الأهم في تقييم أي تجربة سياسية يتمثل في:
* توفير الكهرباء والماء والخدمات الأساسية
* خلق فرص العمل وتعزيز التنمية المحلية
* تحسين جودة الإدارة في المحافظات والمؤسسات
* معايشة الحالة الاجتماعية ومشاركة الناس همومهم
وهنا يصبح الأداء الخدمي هو اللغة الحقيقية التي يفهمها المواطن، بعيدًا عن الخطابات السياسية التقليدية.
رابعًا: نحو نموذج شراكة وطنية في إدارة الدولة
إن التحدي الأكبر أمام العراق اليوم هو بناء نموذج “الإدارة التشاركية” التي لا تحتكر السلطة لجهة واحدة، بل تتعاون فيها القوى السياسية ضمن إطار وطني جامع.
وفي هذا السياق، يُفترض بالقوى الفاعلة، ومنها حركة الصادقون، أن تنتقل من منطق التنافس السياسي إلى منطق:
* الشراكة في بناء القرار
* دعم الاستقرار المؤسسي
* حماية مسار الدولة من الفوضى الإدارية والسياسية
نافذة أمل
إن نجاح أي حركة سياسية في إدارة ملفات الدولة لا يُقاس بالإنجازات الآنية فحسب، بل بقدرتها على ترسيخ نموذج مؤسسي مستدام يُبنى عليه مستقبل الدولة. وفي هذا الإطار، تمثل تجربة حركة الصادقون فرصة لتقديم رؤية متقدمة في الإدارة والحكم، إذا ما استثمرت خبراتها وعمّقت التزامها بمعايير الكفاءة والنزاهة وخدمة المواطن.
ويبقى الطموح السياسي مشروعًا طبيعيًا في إطار التنافس الديمقراطي، إلا أن تحقيقه مرهون بمدى القدرة على ترجمة الحضور السياسي إلى إنجازات ملموسة تعزز ثقة المواطن، وتفتح الطريق نحو استحقاقات قادمة تُقاس فيها جدارة القوى السياسية بقدرتها على إدارة الدولة لا مجرد المشاركة فيها.
